اخر الاخبار

ترنيمة مأربية


قصة قصيرة_ ناجي ناجي
____________________&




سارت بلقيس بملابسها العسكرية فوق خيلها المزين في الشارع المؤدي إلى معبد الشمس في العاصمة مأرب وسط حاشيتها، يتقدمهم شحطور قائد حرسها، وقد اصطف مواطنيها على الجانبين، يهتفون لها ويشكرون تخليصهم من الملك الظالم، انتهى الموكب بالوقوف في البوابة الخارجية لمعبد الشمس، توقفت حاشيتها هناك وترجلت بلقيس، ومضت تجتاز البوابة المطلة على الباحة الداخلية للمعبد، استقبلها الكهنة وسارت محاطة بهم واصطف الاقيال على الجانبين، وفي باب المعبد وقف كبير الكهنة، امسك يدها، وسار بجانبها إلى داخل المعبد، وهناك، أُقِمَتْ الصلوات، ثم قام كبير الكهنة بوضع التاج على رأسها لتصبح بذلك ملكة سبأ، تلت صلواتها واستدارت الملكة وتخلف عنها الكاهن الأكبر ثلاث خطوات كما تقتضي اصول التتويج، خرجت من المعبد، فاستقبلها الاقيال بصيحات التهاني والتبريكات ودعوات المجد للمخلصة الملكة بلقيس، نُحِرتْ الاثوار والجِمال قرباناً للالهات، وواصلت طريقها فوق الدماء الحارة، إلى البوابة الخارجية، ودّعتْها الكهنة واستقبلتها حاشيتها، اعتلت جوادها وسارت عائدةً إلى القصر، اتخذت نفس الشارع الذي جائت منه، لوّح لها السبأيون تعظيما لها، يهتفون باسمها، باعتبارها إبنة الاله الشمس من الاله القمر، كانت مشرقة كالشمس هادئة كالقمر.

كانت مدينة سبأ قد اختطفها قيل جائر، أوكلت الالهات جميعها لبلقيس لتخليص سبأ المختطفة، انبرت بلقيس وساعدها القيل نشوان اقرب المقربين لطفولتها وشبابها، في قتل الطاغية وتخليص مدينة سبأ من كل الاوغاد، في القصر خلعت ملابسها العسكرية وارتدت جلبابها الحريري الموشى بخيوط من الذهب والفضة، تدلت خصلات شعرها على صدرها ووضعت التاج الذهبي على رأسها المرصع بالجواهر، وتطيبت باجود الاطايب، وقفت في البوابة الداخلية تستقبل تهاني الاقيال، بدت ممشوقة القوام وضاحة ببشرتها الفاتحة، قبل مغيب الشمس مُدتْ موائد التتويج ليس في باحة القصر، بل في شوارع المدينه، فاكل وشرب الاقيال وكبار القوم وصغارهم وابناء السبيل، كان كل شيئ في المدينة مبتهجا وساحرا جعل الجميع ينشدون التراتيل والصلوات والاهازيج.

غير أن هناك شخصاً لايدري إن كان مبتهجا أم حزينا، لا شك أن تتويج بلقيس ملكة قد اسعده لكنه اشعره بالحسرة، فالمسافة بينه وبينها كبرت اكثر مماكانت عليه قبل ذلك كانا على وشك الارتباط ببعضهماٌ لكن المحنة حلت على سبأ استدعت تأجيل موعده، حينها لم يكن بامكانه أن يقف في الشارع العام ويصيح: أحبك يا بلقيس.. ارتشف قطرة العرق التي تتساقط من جبينك النقي الطاهر طهارة النجوم، كان بامكانه أن يقول ذلك في صحراء خالية، أما الأن فلا يمكنه أن يردد ذلك حتى في لسانه سرا أو في نفسه صمتا، بعد أن اوكلت الالهة الأمر لبلقيس، صارت بلقيس جزء من الاله، راح يخاطب نفسه:
- إن كان عليك الموت عشقاً وكمداً يانشوان ، فلتمت بعيدا، وليعطف عليك القمر بعين الرضى
***

في الليل استكان القصر في هدوئه، ألا من حركة حُرّاسه، يتحركون في سكون تام، تلمع سيوفهم ورماحهم على ضوء المشاعل، أما خارج القصر فالمدينة لا تزال هائجة في أفراحها للخلاص من الملك الطاغية على يد ابنة الشمس والقمر الملكة بلقيس، جلس القيل نشوان في مهجعه، أحس باستعاد نفسه التي غابت عنه طوال اليوم.

في القصر كانت الملكة مرهقة بعد يوما شاق وتود ان تهجع لتستقبل الغد المليئ بالواجبات الملكية، لاحت لها صورة نشوان الذي بدء لها طول اليوم غائبا رغم حضوره، ودت ان تستدعيه في هذا الشأن، نادت حارسها:
- شحطور.. اريد أن يأتي القيل نشوان في الحال، وقبل أن يستدير شحطور لتنفيذ الأمر، أمرته بالعدول عن الامر، واجباتها تفرض عليها ان تنام لتتمكن من استقبال الغد المليئ بالمهام فهي الملكة المسؤلة عن كل صغيرة وكبيرة في مملكة مترامية الأطراف، اغمضت عيناها ونامت وكأنها لم تنم.

في الصباح، قبل شروق الشمس، تلت صلاة الشروق، بعدها استدعت قائد الجيوش السبئية وأمين المال وكبار مسؤلين السد والقنوات، استمعت منهم على المشاكل التي تواجههم واصدرت أوامرها بحل معظمها، ثم تكلمت عن رغباتها التي يجب أن تتحول إلى حقائق، ترغب في ترميم السد وتوسيعه وتوسيع شبكة القنوات، فالدولة بزراعتها وتجارتها قائمة على هذا السد، وترغب في مظاعفة الجيوش وكل هذا يستوجب توفير المال، يجب رفع حصة الدولة من دخول الاقيال لانجاز الاصلاحات المطلوبة والتي ستعود على الاقيال بالفوائد المظاعفة.


مضت شهورها الأولى وهي منهمكة في ترميم بناء الدولة وتقوية دعائمها هنا وهناك، كان خلالها القيل نشوان قد اصابه السقم، انعكس على هيئته، كان كلما نظر إلى الملكة أو احس بأن الملكة تنظر إليه يفقد وعيه، كان يحاول أن يتجنب الموقفين كلما أمكن، واستحال عليه ذلك، وكانت الملكة كلما قررت مفاتحة نشوان عن حالته تنشغل بأمور الدولة، حتى جاء يوما تقدم لها أحد الاقيال، طلب يدها للزواج، رفضته، بعد أن خيرت نفسها، إما أن تحتفظ بلقب الملكة إرضاءً لقلبها الملكي أو تتقبل لقب الزوجة لارضاء قلبها النسائي، فزوج الملكة حتما سيسلبها ملكها وستصبح زوجة الملك وسيصبح زوج الملكة هو الملك الحقيقي، لذا، اختارت الاولى، واعرضت عن الثانية، وقالت لمن حولها بأنها لو ارادت أن ترضي أنوثتها لأختارت القيل نشوان أنبل السبئيين وأقربهم إلى قلبها واعزهم نسبا وأجلهم نبلا، لكنها ستفقد عون الشمس التي أوكلت لها مهمة قيادة الدولة السبئية.

في مجلسها مع جمع من الاقيال وحاشيتها، كان القيل نشوان، يشعر أن الملكة تنظر إليه، قال في نفسه دون أن يحرك شفتيه أو وجهته:
- ساعديني يا ملكتي أن أبتعد عنك، وعن القصر والمدينة كلها، ليتمكن الاثنان من القيام بواجباتهما تجاه الدولة السبئية وخضوعاً للارادة الالاهية.

كأن نزار قباني في قصيدته (رسالة من تحت الماء) في عصرنا الحاضر كان يعبر عن لسان حال القيل نشوان: إن كنتَ حبيبي ساعدني كي أرحل عنك، إن كنتَ طبيبي ساعدني كي اشفى منك.

قرأتْ الملكة ما في نفسه، فأصدرتْ قرارها بتولية القيل نشوان قائد حامية صرواح، فيكون قريبا وليس بقريب وبعيدا وليس ببعيد.

ذهب إلى صرواح، واستعاد حياته، قام مع حاميته بفلاحة الارض الجرداء وإقامة أحواض المياه التي توفرها مياه الامطار.

راحت تبعث له كل يوم برسالة فيها أوامر وفيها نواهي وفيها تعليمات، وفيها تكرار وتكرار، لكنهما وجداها بلسما لشفاء الروح المعلقة في شيئ والهائمة في شيئ أخر.

كان يستيقض قبل شروق الشمس، وبعد صلاته يجلس في مكانه خاملا بين الافاقة والنعاس، فإذا وصلت الرسالة تتلوا لسانه وقلبه الكلمات فتنتعش روحه وتشحن طاقته فيخرج لقضاء اعماله في فلاحة الأرض الجدباء أو اصلاح أحواض المياه، وذات يوماً جاء الضحى ولم تأتي رسالتها، فكتب رسالته،(حين أفتح كتابي ولم اجدك فيه، أنتظر، وأنا على يقين بأنك لن تخلف وعدك)، وما أن انتهى من كتابة الرسالة قام باخفاءها، وفي الحال وصل حامل رسالة الملكة، جاء فيها (كن منارة للأخرين)، إنفرجت أساريره وخرج لاتمام ما يستوجب اتمامه.

وفي المساء يعود حامدا شاكرا للاله الشمس حامية السبئيين من كل شر، وبين حين وحين يكتب رسالته العاطفية إلى الملكة ثم يخفيها عن الاخرين وعن نفسه ايضا، خدمةً لمجد الدولة التي تقودها بلقيس الفاتحة كالضحى، الرقيقة كالنسمة، القوية كالصخرة، شقيقة روحه، وملكة أمره وأمر سبأ كلها.. إنتهت
مارس 2017..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وكالة أرصفة للأنباءجميع الحقوق محفوظة 2016