محمد المياحي
------------
هذا
المساء رأيت شابا يتناول وجبة العشاء في احدى بوافي سوق الأحد ، تمعنت فيه قليلا كان
يمضغ خبزه بصعوبة، ثم انتزع تنهيدته بحرقة شديدة وطلب من الله ان يكون رحيما حين يلتقي
بالحاج عبد الله منصور: الله يرحمك يا عبد الله منصور ويضيف بنفس يخنقها الحزن..
لقد
كان يعطرنا في كل ليلة من ليالي رمضان! بحسب هذه الشهادة كان عبد الله يحمل قارورة
عطر في جيبه ، حاملا مسك تستطيب نفسه حين ينشر روائح زكية في أجواء الاخرين، هذه الشهادة
العابرة من انسان مجهول تكفي عنوانا شهيا، يختصر تاريخ انسان مكتمل ، يحمل ذكرى عطره
في قلوب من بعده ، ماذا يريد الانسان أكثر من ريح طيبة في أرواح من يبقون أحياء بعد
رحيله ...
رحل
ولده الأوحد شهيدا في عام الثورة ..
خمسة
أعوام ولحقه الأب، الحاج عبد الله منصور يغادر الوجود وفي وجهه تضاريس ثورة لم تكتمل
بعد، وهناك في عالم الله سيخبر الأب ولده بأن الثورة التي مات وهو في الطريق للالتحاق
بساحتها، ما زلت تشتعل بطريقة أخرى، رفضا لاصابع الشيطان الذي يبغي امتلاك مصيرنا بالقوة
القاهرة ..
أن يموت
انسان معناه أن يخلد خلفه مخطوطات كثيرة في عالم الأحياء، نفوس كثيرة تشعر بوجع الرحيل
، أحفاد غدر بهم الموت وخطف جدهم ، أصدقاء كانوا يستأنسون بوجوده لفحتهم ريح الوحشة،
أرض كان يخطو عليها افتقدته الليلة، مكتبته القديمة تشعر بثقب في جدارها ، كان عبد
الله يوما عاملا في مكتبه، تاجرا يصدر وسائل المعرفة للمجتمع، وأن يغامر المرء لفتح
مكتبة في بلد كادح فهذا مشروع نضال مجيد ضد الظلام ، وخطوة كبيرة لزحزحة الجهل ومحاربة
العماء المجتمعي ، لقد كان تاجرا القلم وفقيدنا اليوم يفعل هذا! وداعا أيها الضوء الذي
أنار قريته كثيرا وداعا عبدالله منصور ...
سيتحدث
الأب وولده عن أمور كثيرة، عن صالح الذي ما زال يشرب دم الأجيال، وعن مدينته سيسأل
جمال أبيه، كيف تركت تعز يا أبتي؟ سيمسح الأب دمعته الحاره من عينيه ليخبر ولده ان
تعز تصحو جائعة وتظل حتى المساء مشردة وتنام مغمورة بالوجل ؛ لكنها أيضا تصارع بشراسة
وشجاعة نادرين كلب مسلح، يدعى "عبد الملك" انحدر من الجبل ليحكم البشر بالآلة
العسكرية الوحشية التي منحها اياه صالح، كاسرا ارادتهم الرافضة لتواجده الشاذ وحضوره
الغير مشروع..
وسيردف
الحاج عبد الله قائلا لولده : لكن رفقاء ثورتك يا جمال أولئك الذين وقفت معهم جنبا
إلى جنب في ساحة واحدة، وهتفت معهم شعار واحدا، ونمت واياهم تحت السماء نفسها ، أولئك
يا ولدي يقاومون حتى اللحظة ، يحرسون الحياة ليل نهار، تماما كما كنت تفعل أنت بصوتك
الفاتن، حين تغرد فتحرس أرواحنا من الذبول هم كذلك يحرسون مجد من رحلوا شهداء في درب
الحرية ..
أخبر
ولدك جمال أننا اليوم نقاوم من ثرنا عليهم في الأمس؟، يوم كان جمال حيا يناضل معنا
، أخبره أن ارادة الحياة ما زالت ملتهبة في أرواحنا كما كانت لحظة انفجارنا في الشوارع
ضد صالح وعصابته .. أخبره ان الثورة لا تموت ، وأن الثائر ينزف دما ثم يمسح الجرح و
يواصل الصمود حتى ينتزع الحياة التي يريدها بكل صلف وغرور وشكيمة لا تعرف الانكسار...
عبد
الله منصور انسان كافح ليعيش ، نشأ مواطنا سويا ، كون اسرة وذهب يذرع الأرض بحثا عن
ما يمكنه من اعاشه اسرته ، انتصر على البؤس بشبق الحياة ، وها هو الموت يهزمه بعد ان
اشتعل رأسه ولحيته بالشيب، وداعا عبدالله ، عد إلى ربك، هذا هو القدر الحتمي اللصيق
بنا جميعا، سيحزن محمد جمال كثيرا سيشعر انه فقد ساعده الثاني بعد ابيه ، وحتما سيستمر
في مكابدة الحياة كما قضى الله له ، وذلك ناموس كون لا يمكن لبشر ان يفلت منه...
نم قرير
العين ، فالناس هنا بعد رحيلك ينثرون كلاما شهيا حولك ، لا بد انك رجل طيب القلب، ولهذا
عبيرك بعد موتك طيبا كما أنت لحظة وجودك معهم ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق