اخر الاخبار

الفتى الصبري الذي بذر مآقيه قطرات ضوء في درب الحرية..



التقاه/ وليد عبد الواسع
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشر من صباحات يناير/ كانون الثاني 2016، حين اخترقت عينه اليمنى أربع شظايا، إثر انفجار لغم أرضي زرعه الحوثيون، في إحدى جبهات المسراخ- صبر بتعز وسط اليمن..



يقول لـ"وكالة أرصفة للأنباء": أصبت بشظايا لغم أرضي في عيني، بينما كنا في منطقة نجد قسيم، على متن سيارة، حين كنت أجاهد مع المقاومة ضد الحوثيين..



"توهيب محمد الطيب"، الفتى الذي حمل البندقية باكراً، قبل أن يكمل ربيعه الخامس عشر، ملتحقاً بصفوف المقاومة الشعبية، لمواجهة الانقلابيين الحوثيين..



يعد "توهيب" واحد من أصل 11558 من جرحى الحرب في مدينة تعز، يعانون من ظروف إنسانية صعبة، نتيجة الإهمال لهم من الحكومة الشرعية، وخذلانها لهم، وفقاً لاتهامات كثيرين..




 "حتى البقرة التي كان أخواني الصغار يعيشوا على حليبها باعتها أمي لعلاجي، وتسلفت مبالغ كبيرة نعجز عن سدادها"

وفقاً لآخر إحصائية، حصلت عليها "وكالة أرصفة للأنباء"، يصل عدد جرحى الحرب بمحافظة تعز، وسط اليمن، 11558 جريحاً، منهم ٧٩٦ أطفال، و٥٧١ من النساء، و١٠١٩١ رجال..

توضح الإحصائية أن عدد الحالات المستعجلة بينها حوالي 2952 جريح، موزعين بين ١٣٧٠ بحاجة لعلاج طبيعي، و١١١٧ يحتاجون رعاية صحية، و٢٩٥ يحتاجون سفر للخارج، و١٧٠ يحتاجون عمليات داخلية..

كان الفتى اليانع يعمل متطوعاً في صفوف المقاومة الشعبية بجبهة المسراخ، تحت قيادة المسئول في المقاومة هناك "فؤاد السبئي"..

رغم صغر سنه، انخرط "الطيب"، المتجذر من أصول صبرية، في سن مبكر ة بصفوف المقاومة الشعبية، بدافع ذاتي سببه تصرفات وأفعال الحوثيين التي استفزت مشاعره، حد تعبيره..


 "حين شفت تعامل الحوثيين الإجرامي حملت بندقيتي وخرجت أقاومهم فأصبت وأنا أجاهدهم"




"دفعني لذلك أنني شفت تعامل الحوثيين ضد أبناء تعز.. لم يدفعني أحد لمواجهتهم ومقاومتهم.. حين شفت تعاملهم الإجرامي حملت بندقيتي وخرجت"..

 عند إصابته أسعف الفتى إلى مستشفى خليفة بمدينة التربة، غربي مدينة تعز، وهو في غيبوبة، لتلقي الإسعافات الأولية، ومعاينة إصابته..

لكن حالته الصحية كانت خطيرة، وتستدعي نقله إلى مستشفى آخر تتوفر فيه الإمكانات الطبية، وهو ما كانت تفتقر له مستشفيات مدينة تعز، الواقعة تحت حصار مطبق فرضته مليشيا الحوثيين وقوات المخلوع صالح على المدينة.

في عدن رفضت مستشفيات الشرعية استقباله وطردته لأنه لا يملك رصيد وحسابه موقوف

قرر أطباء مستشفى خليفة سرعة نقل "توهيب" إلى أحد مستشفيات العاصمة المؤقتة عدن.. وفي مساء ذات اليوم أحيل كما قرر الأطباء.. لكن المستشفى الذي أحيل إليه " الطيب" رفض قبوله..

يؤكد لـ"وكالة أرصفة للأنباء": قالوا لي ما شنقبلكش، وبقيت فوق السيارة من الساعة الخامسة صباحاً وحتى العاشرة من مساء اليوم الثاني..

يضيف:" كنا نحاول نفاوضهم، وبقينا نتواصل مع المندوبين المسئولين عن الجرحى في اللجنة التي شكلتها مقاومة تعز وسلطاتها المحلية، ومافيش فائدة"..

أمام إصرار إدارة المستشفى، تم إحالة الفتى، الذي تؤلمه الشظايا داخل عينه، بشكل حرمته حتى من النوم، إلى مستشفى آخر في مدينة عدن..

فكانت الصدمة الأخرى لـ"توهيب"، حين فاجأته إدارة المستشفى، بعد إجراء بعض الفحوصات الأولية بطلب مغادرة المشفى. رغم أن حالته خطرة وتتطلب عمل جهاز لعينه، بحجة أن حسابه لديهم موقف..

يقول للمحرر في "وكالة أرصفة للأنباء": كانت عيني تحتاج لجهاز والإسراع في إخراج الشظايا، لكن الدكتور قال لي" حسابك موقف، وما أقدر أسوي لك حاجة"..

تسكن عين "الطيب" أربع شظايا غير مستقرة "متحركة"، حسب إفادة الأطباء، سببت له مضاعفات أليمة وخطيرة..

" عيني سودت، والطبيب وجهني بالسفر إلى العاصمة اليمنية صنعاء، لإجراء عملية في مستشفيات مغربي": يفيد الفتى، الذي ظل عاجزاً عن اتخاذ أي قرار لإنقاذ عينه..

فظروفه المادية، كما أسرته المعوزة، لاتسمح له بالسفر إلى العاصمة، فيما مندوبي اللجنة الطبية المعنية تماطل وتتهرب، حد تأكيده..

في وقت سابق تم نقل 15 جريحا فقط من جرحى المقاومة بتعز إلى الخارج من أصل 58جريح وصلوا إلى مستشفيات عدن حالتهم حرجة.. فيما ظل "توهيب" وبقية رفاقه يعيشون أوضاعا صعبة في انتظار لفتة كريمة تليق بتضحياتهم التي قدموها..

في زيارة سابقة لهم قام بها المحرر، إلى حيث إقامتهم، تكشفت حجم المأساة التي يغصون بها.. هناك في عمارة الشيطان بحي السنافر، عدن- كما يطلق عليها أهالي الحي- بعد أن تبرع به فاعل خير سكناً لجرحى تعز..

ماشاهدته عند زيارتي لسكن جرحى تعز المرميين في عماره الشيطان كان واقع أشد من العلقم..

لقد كان الواقع صادما، وأنا ألج بوابة " الشيطان".. كان منظر تراكم القمامة في المدخل ورائحة نتنه تمتزج برائحة نشادر، ربما مصدرها عقاقير جراحات الجرحى، تنبعث بشكل لاتتصوره..

لم أتمالك نفسي بينما اصعد درج العمارة، برفقة أحد شباب المقاومة الجنوبية، حاولت كتم أنفاسي.. لكن الرائحة المتسللة إلى رئتي أجبرتني على التقيوء، قبل أن اصطدم بأحد الجرحى في أخر درج العمارة..

تتزايد حجم المأساة، وأنت تلج بوابة الشقة التي كان يقطنها أكثر ثلاثين جريح، وسط حالة إنسانية مؤلمة..

أشباه هياكل إنسانية يتوسدون جراحاتهم ووجع حياتهم دون أبسط سبل العيش من ماء وكهرباء وغذاء.. كانوا يئنون بصمت مطبق بعد أن خذلهم وكيل محافظه تعز لشئون الجرحى، ومندوبه، الذي تحمل على عاتقه مسئولية لم يقم بالالتزام بها..


"ما استطيع أنام من الشظايا داخل عيني كل يوم وعيني تضمر.. الأطباء يحذروني بسرعة إجراء عملية وحالتنا المادية صعبه"

قصص وحكايا وجع يحملها كل جريح طي روحه.. ليس أكثرها غصة "توهيب الطيب"، ذلك الفتى الجريح الذي لم يتجاوز الخامسة عشر من العمر..

بعين ينهشها قسوة شظايا أربع، يجلس القرفصاء على حبة بردين، بينما يحكي للمحرر في "وكالة أرصفة للأنباء" تفاصيل وجعه وحيرته بين تحذيرات الطبيب الناصح بسرعة سفره وإجراء العملية، وبين خذلان الجهات المعنية له، وعسر الحال..

"الطبيب ينصحني بسرعة إجراء العملية، لكن المندوبين يتهربوا ويماطلوا، تعبنا ملاحقة": يضيف توهيب الطيب، قبل أن يصمت قليلاً، ربما لغصة في الروح كان يحاول إخفاءها..

يشكو "توهيب" من التهابات وأوجاع في عينه، بسبب تحرك الشظايا.. "ما استطيع أنام من الشظايا، كل يوم وعيني تضمر": قال، مبدياً مخاوفه من عطب أو أذى قد يلحق عينه..

من بياض عينه اليمنى التي أغرورقت بالدموع، بينما يحاول تحريك بؤبؤها بصعوبة بالغة، رغم الألم، ولا يقوى على فتح جفونها،  تكاد تلمح ما يعتريه من قلق وحزن وألم،

لا يقدر على الرؤيا، يحاول أن يفتح عينه لالتقاط صورة لها، لكن الدمعة تخونه قبل أن تكمل العدسة مهمة توثيق وجعه.. 

يحكي الفتى لـ"وكالة أرصفة لأنباء" كيف وصل به الحال، بعد أن باعت أسرته كل ماتملك من أجل استعادة رؤيته، لكن دون جدوى..

تكبد "الطيب" وأسرته مبالغ طائلة، كما استدانت أموال عجزت عن سدادها، في سبيل إنقاذ بصره الذي كاد أن يذهب عن عينه نور الله.. حتى وصل الحال بالعائلة إلى وضع يرثى لها..

"صرفت مبالغ كبيرة، وتسلفت، والآن الحال يعلم بها الله": يقول "توهيب" لـ"وكالة أرصفة للأنباء"، الذي وصل الحال بأسرته إلى بيع آخر مصادر طعامها..

كان والده يعمل بالأجر اليومي، لكنه مع استمرار الحرب الدائرة منذ أكثر من عام، فقد مصدر رزقه، ولم يعد للأسرة أي مصدر دخل تعيش عليه...

يقسم بشرف أمه أن أسرته لم تعد تملك ما يغطي قوت يومها.. "حتى البقرة التي كان أخواني الصغار يعيشوا على حليبها باعتها أمي لعلاجي...": قالها "الطيب" بصعوبة وغصة خانقة.. حينها تسقط دموعه دون إشعار مسبق وينفجر باكياً..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وكالة أرصفة للأنباءجميع الحقوق محفوظة 2016