من لم
ينتصر لسلطان اليوم وهو ما زال مرميا على قارعة الطريق في العراء دون أي اعتبار لعجز
وشيخوخة و...إلخ.. حتما سيكون وهو كهل في نفس المكان..
سلطان
الجندي.. احفظوا هذا الاسم جيدا وتذكروا أباءكم وأمهاتكم.. تذكروا ذلك فقط.. ويتوقف
نزيف الكلمات..
حوالي
سبعيين عاما يبلغ من العمر.. ساقه اليسرى مشلولة فلا يتحرك إلا بصعوبة ويزيد من بؤس
وضعه إنه يعيش وحيدا على قارعة رصيف في العاصمة اليمنية..
بالقرب
من مدخل جامعة صنعاء الجديدة حط به الرحال وتحديدا قرب بوابة ما كان يطلق عليه جمعية
الإصلاح الاجتماعية الخيرية, يعيش في العراء..
الحديث
في حال كالذي يعيشه سلطان الجندي على دورة مياة أو سكن أو حتى مجرد وقاء يغطيه من تقلبات
المناخ.. الحديث عن هذه الأسياسيات للحياة حين يكون المقصود سلطان الجندي أمر باعث
للدهشة فهو حتى أبعد من حلم بفائض رفاهية..
باختصار
يعيش على الرصيف.. وكل ما يحوزه فرش متهالك وبقايا غطاء ..بطانية.. يصطبر على البول
والغائط كل يوم 17ساعة.. حيث لا يستطع التحرك للتبول أو التخلص من الغائط..
عرفته
مطلع العام 2012 في ساحة التغيير بصنعاء وكان قد أقام له مجموعة من شباب ثورة 11فبراير2011
خيمة بالقرب من مجسم الحكمة اليمانية.. كانت تأويه ويقضي فيها أوقاته وحيدا..
ويوم10
إكتوبر2014 وكعادته ترك خيمته ليذهب في سبيل قضاء الحاجة وجلب جالون ماء خمسة لتر,
ليعود قبيل الظهر ولم يجد لها ولا بقية خيام شباب الثورة أثر..
أجال
نظره في الأفق المحيط به ولم يكن من شيئ غير فراغ ورجال أمن يتوزعون على امتداد المساحة,
حاول أن يقتعد على الأرض صرخ به أحد رجال الأمن ممنوع الجلوس هنا..
أراد
أن يقول له يا إبني أنا معاق وتعبت من المشي.. أحتاج قليل من الراحة.. لكن رجل الأمن
ذاك نهره ودفع به ليقع على الأرض.. نظر إليه سلطان والدمع يتساقط من عينيه ولم يحرك
ذلك إنسانية رجل الأمن.. بل زاد أن نزع من يده جالون الماء ورماه بعيدا عنه.. سحب سلطان
جسده المشلول حبو على ركبتيه ليبتعد إلى حيث استطع..
ابصرته
طالبات كن للتو خارجات من حرم جامعة صنعاء.. اشفقن عليه ساعدنه على التحرك إلى حيث
ما زال يمكث قرب مدخل بوابة بوابة جمعية الاصلاح حيث يوجد هناك شجرتين وارفتين بالظل..
مكث
في المكان مع مجموعة من شباب الثورة رابطوا في نفس المكان.. مكث بضعة أيام تحت صقيع
البرد على الاسفلت حتى أشفق عليه أحد المارة وأحضر فرش وبطانية..
عاش
وما زال يعيش أوقات وأيام بل وأشهر قاسية للغاية.. ولم يحصل أن طلب عون من أيا كان
البتة.. فهو عزيز النفس كريم الصبر والاحتساب لله..
العام
الماضي مع موسم هطول الأمطار.. كنت أقيم جواره مع شباب الثورة المرابطين.. ووفق ما
كان متاح لنا حاولنا تغطيته من المطر لكن الغطاء كان فيه فتحات صغيرة.. مما سمح بالمطر
بالوصول إليه.. سمعته حينها ينادي شريكة حياته المتوفية..
كان
يردد.. زعفران وزعفران.. حبيبتي الله يرحمك لو كنتي موجودة ما كنت اتعذبت هذا العذاب..
زعفران أنا بين المطر وما أقدرت أرفع نفسي..
انهزمت
وشرعت في بكاء مرير محاولا منع المطر الوصول إليه قدر المستطاع.. وحين توقف المطر غادرته
وكلي تفتت.. قاس بل لا حدود لقساوة طوفان تلك اللحظات وكذلك حالته..
وإلى
ما قبل تاريخ 16مايو2016 كان قد تم وضع ما يشبه مخبأ له يقيه حر الشمس ولسعات البرد
والأمطار ويستره عن أعين المارة.. إلا أن رتل أشاوس من الأمن والنجدة والشرطة العسكرية
وقوات مكافحة الشغب بتاريخ 16مايو2016 قدموا المكان بجرفات تحت شعار إزالة العشوائيات..
وحتى
دون تحري من بهذه الخيمة التي لا تتجاوز مساحته 2×1.5متر.. اقترب قواد الجرافة منها
وأنزل الغرافة بشكل وحشي لتحطيم الخيمة ثم جرفها.. صرخ من كان حاضرا بالمكان داخل الخيمة
عجوز معاق وقواد الجرافة يقترب بالغرافة من الخيمة..
سمع
سلطان الضجيج أراد معرفة ما هذه الضوضاء.. أطل برأسه.. أبصره رجل أمن وصرخ توقف ووثب
إلى أمام الجرافة.. توقف قواد الجرافة.. طلب من سلطان أن يغادر وأجابه أنا معاق ساعدنا
على الخروج..
ومع
تأخر خروجه هرع شابين من رجال الأمن ليسحباه للخارج بوضاعة طالبين منه الابتعاد عن
المكان.. كان يحاول الابتعاد دون جدوى.. اخذه الشابين واحد من يديه والأخر برجليه ليحملوه
إلى الرصيف الذي يفصل بين خطي السير..
وغادر
رجال الأمن المكان ولم يجد سلطان مكانا يأمن فيه على نفسه.. عاد سلطان العجوز المشلول
ليعيش في نفس المكان.. الرصيف القريب من مدخل جمعية الإصلاح.. في العراء.. ولا عزاء..
وهذا واقع لا تنميق فيه.. فهل يستحق هذا العجوز هذا..
كل ما
أمكنه الاحتفاظ به المصحف الشريف وفرش وبطانية مهترئين سحبهما لسلطان أحد شباب الثورة
المرابطيين في نفس المكان..
جئت
المكان بعد مغرب هذا اليوم لأجد سلطان يحضن المصحف الشريف ويضمه إلى صدره.. لمحني وناداني
يا نبيل جرفوا حقي الخيمة ولا بقي لي شيئ غير هذه الختمة.. يقصد القرآن الكريم.. وفراش
وبطانية أخرجهم لي واحد من الشباب ربنا يحفظهم عاده قاتل ليخرجهم لي وإلا كنت سأرقد
على الأرض..
دنوت
منه ولا أدري بماذا أحدثه.. لا تقلق يا عم سلطان سأروح الأن أجيب لك فراش وبطانية..
ابتسم وقال والله حرام عليا أخذهم أنا داري ما معكش غيرهم وأنا اللي معي يكفوني..
تنهد
وأضاف متسائلا تقول هؤلاء ناس أو وحوش.. كيف ستكون عاقبتهم.. ثم رفع رأسه إلى السماء
وردد يا الله عز العزيز ولا تهينه.. يا الله أنا مش حق بهذلة..
ضم المصحف
إلى فؤاده.. ثم قربه من وجه وقبله.. فتحه وقرأ على ضوء مصباح وضعه على رأسه ما تيسر
من الأيات ودمعة تلو دمعة تتساقط من عينيه لتبلل ورق المصحف..
ثلاثة
أيام بلياليها أتعمد البقاء في المكان حتى الساعة الثانية أو الثالثة فجرا أرقبه من
بعيد حتى ينام ثم أغادر المكان جسد أما الروح والعقل فيحرسان سلطان ويبكيان عليه ويشاطرنه
الوحدة والوحشة والتشرد..
فمن
لم ينتصر لسلطان اليوم وهو ما زال مرميا على قارعة الطريق في العراء دون أي اعتبار
لعجز وشيخوخة و...إلخ.. حتما سيكون وهو كهل في نفس المكان..
سلطان
الجندي.. احفظوا هذا الاسم جيدا وتذكروا أباءكم وأمهاتكم.. تذكروا ذلك فقط.. ويتوقف
نزيف الكلمات..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق