د. علي عبدالرحمن الخليدي/القاهرة
__________________________&
درج اليمنيون -الكتابات اليمنية المعاصرة- على تسمية حكم الإمامة، منذ الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين القاسم الرسي، إلى( الحمزات) عبدالله بن الحمزة، إلى أئمة بيت شرف الدين، وإلى حكم، الدولة القاسمية، في صورة المتوكل على الله إسماعيل، وإلى بيت حميد الدين، وصولاً للنسخه الحوثية، على تسميتها ب (التاريخ الآثم) لما اتسمت به من استبداد، وتخلف، وثيوقراطية مقيتة، اتسمت بالتحجر، والجمود، والركود، في كل شيء (تدهور في الانتاج الزراعي، وفي التجارة، وفي الصناعات الاولية، وفي احتكار للتجارة، بقوة النهب والمصادرة للمال العام والخاص، وفرض اتاوات واشكال جباية على المجتمع (الخطاط، التنافيذ، البقايا، الصبرة) متزامنة مع حالة من الجمود الفكري، والثقافي، والتحجر المذهبي، بصورة غير مشهودة في التاريخ العالمي، والإنساني، جرى فيها فصل وعزل اليمن(شمال البلاد) عن الحياه، والعصر، والتاريخ الحديث والمعاصر- باستثناء فترات حكم الدولة الصليحية والرسولية والزيادية ودولة بني عامر - بعد أن تحول مسمى "الاستقلال" إلى حالة عداء لكل ماهو (أجنبي) وخارجي، (عزلة مطبقة) إلى أداة، وعصا ايديولوجية/وسياسية، لتكر يس عزلة اليمن (الإمامي) عن العالم- بل وعن الداخل في إتصاله وتواصله مع بعضه البعض- بما فيه العالم العربي والإسلامي، وتحديداً من بعد خروج العثمانين من اليمن، بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى 1918، والتي أكدت-قبلها- اتفاقية دعان (1911) أن كل آمال الإمامة المتوكلية من حربها مع العثمانيين هو الإنفراد بحكم المناطق الزيدية (إمام/وحاكم للمناطق الز يدية) وهو منتهى الفقه السياسي الايديولوجي لمعنى اليمن، ولمعنى الحرب ضد العثمانيين، وهو مايعكس حقيقة مضمون ايديولوجي لمفهوم الاستقلال الزائف، الذي ارتضته الإمامة، مقدمة، وعنوانا لاستقلالها.
فما أن خرج العثمانيون، حتى أنتقل معظم ماتركوه من مبان، ومستشفيات (مراكز صحية) ومؤسسات تعليمية، وقضائية، وإدارية، وغيرها إلى غنيمة حرب "الاستقلال"لبيت حميد الدين..، بدأت معها حربها الداخلية على من وقفوا معهم في الحرب ضد العثمانيين، على قاعدة مذهبية، وليس، وطنية، فما أبعد المعنى السياسي الوطني التوحيدي عن عقل الإمامة، وهو ما تؤكده حقيقة الإمامة، كرؤية ايديولوجية، سياسية تاريخية، تمددت بعدها حربهم إلى جميع جهات اليمن (الحديدة، تعز، إب) مناطق الجباية(الثروة)- وهو ذات سلوك تحالف الحوثي صالح اليوم، ما أشبه الليلة بالبارحة- وفرض أبناء الإمام حكاما عليها، بعد استنفاد بيت الوزير لدورهم الحربي الوحدوي، كما يزعمون ضد أبناء هذه المناطق، امتلئت السجون بجميع رجالات، وأعيان ووجاهات هذه المحافظات، وفي معاملة مهينة ومذلة، للكرامة الإنسانية( استعلائية) مع أنهم لم يكونوا معارضين لحكم الإمامة، بالمعنى السياسي.
تحول معها الاستقلال إلى الوجه السياسي، للعزلة، والجمود، والعداء للخارج (العلاقة المفتوحة مع العالم) لإحكام الهيمنة على الداخل، بعزلة عن التواصل والتلاقح الابداعي/مع أشكال المدنية الحديثة والمعاصرة، ليستتب، لهم الحكم على قواعد من الجمود والتخلف راسخة، بقي معها اليمن الإمامي -مع الاسف- أضعف حلقة في سلسله التطور العالمي كله، حيث نظام الحكم العثماني مثل إضافة نوعية عصرية (حديثة) بما أوجده من أشكال مدنية، ولو محدودة -قياساً بالإدارة السياسية والاقتصادية للإمامة- وفي شكل إدارة الحكم المحلي(مجالس نيابية محلية) وأشكال حديثة، وفي الصحة، والقضاء، وفي بعض المباني والمعسكرات(العرضي).
ويمكنكم العودة إلى الكتابات التاريخية للمقارنة، بما فيه بعض كتابات رجال الاحرار اليمنيين كتاب(اليمن المنهويهةوالمنكوبة) 1947، دون اسم الكاتب وكتاب (الثعالبي في رحلته اليمنية) 1924، ومقارنة موقف سلاطين الجنوب من قضية وحدة اليمن ومن المضمون السياسي لقضية بناء الدولة بما فيه قضية وحدة اليمن، ومن المضمون السياسي لقضية بناء الدولة، ومؤوسساتها، ونظام الحكم المنشود مقارنة وقياساً بموقف الإمام يحيى، الذي كان كل همه غنيمة الجنوب (سلطة/وثروة) ولا حضور في عقله السياسي لفكرة وقضية الوحدة والدولة الوطنية الواحدة.
وكذا إلى كتابات المؤرخين اليمنيين محمد علي الاكوع، وإسماعيل الاكوع وكتابات المؤرخين العرب منهم، فاروق اباظه، وغيره بل وإلى كتب بعض ابناء الأئمة يحيى بن الحسين بن القاسم 1035ه ويرجح زباره وفاته 1099ه في كتابه (بهجه الزمن) وهو الذي رفض بيعة عمه المتوكل على الله إسماعيل، والعلامة محمد بن ابراهيم الوزير، والحسن بن احمد الجلال في نقده لفتوى المتوكل على الله اسماعيل في تكفيره ابناء الجنوب وفي كتابه القيم(براءة الذمة في نصيحة الائمة) وصالح بن مهدي المقبلي ومحمد بن اسماعيل الامير ومحمد بن علي الشوكاني وغيرهم من العلماء الافاضل المجتهدين، التي يطول الخوض فيها، وحولها- نتركها للمختصين- إلى درجة تشعر معها أن توصيف، وتسمية"التاريخ الآثم" لحكم الأئمة، لا يفي بالغرض، ولا يقدم التوصيف السياسي الواقعي التاريخي، لما مثلته الإمامة من فضائع، ووحشية، وجرائم يندي لها جبين الانسانية(من ابادة الفرقة المطرفية الزيدية العقلانية)حتى مذابح بيت حميد الدين للاحرار اليمنيين، إلى تكفير الأئمة لابناء الجنوب، وتحويلهم إلى "كفار تأويل" ، وفرض الجباية، وحتى "الجزية" عليهم وكأنهم " اهل ذمة". ولعل اهم ما جاء بهذا الشأن هو فتوى المتوكل على اللهإسماعيل (العلم النافع في جواز اخذ اموال الشوافع) والذي يشير فيها إلى انه ﻻ يخشى من الله على ما اخذه من الأموال الشوافع وانما يخشى ان الله سبحانه وتعالى سيحاسبه على ما ابقاه في حوزتهم من اموالهم، جاء ذلك ردآ على احد العلماء حول عدم جواز اخذ اموالهم بهذه الصورة باعتبارهم مسلمين..
إن مايحصل منذ انقلاب 21 سبتمبر2014م ليس اكثر من محاولة عبثية، متوحشة لمعاندة التاريخ ولمصادرة حقائق الحياة والعصر في صورة حلمهم الموهوم باستعادة تاريخ آثم وذاكرة مؤثمة، وكل مايعملونه، من خلال انقلابهم، وحربهم، انما هي محاولة لتأكيد أن كل ماحصل من بعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 وثورة14 اكتوبر 1963م حتى ثورة 11 فبراير 2011م، وصولآ لمخرجات الحوار الوطني الشامل ، والدستور الاتحادي، انما هي جملة اعتراضية طويلة لا لزوم لها، لحظة عابرة في السياسة، والواقع، والتاريخ، مطلوب ازالتها..، .يجب حذفها ..، هي خطيئة تاريخية، يجب طلب الغفران عليها ومنها، امام باب الولي الفقيه/الامام الجديد، القابع في كهوف ( مران) والذي يتلقى تعليماته من مركز الوحي الجديد في(قم) وليس حتى من النجف الاشرف بعد ان الحق هذا المركز الديني العربي بمركز الولي الفقيه في ايران.
ولذلك فان المطلوب اليوم هو إدانة ثوره 26 سبتمبر 1962م، وثورة 14 اكتوبر 1963م، واعادة صياغة المناهج الدراسية والتعليمية، لوقف التمادي في استمرار اجترار هذه الخطيئة بحق ابناء اصحاب الحق الالهي، الذين اتتهم الولاية منقادة، بحق فوقي متعال، لايعلى عليه،(ما هي إلا لهم، وما هم إلا لها الولاية/ الحكم)، ومن هنا اهمية وضرورة وقف هذه الخطيئة الاعتراضية، الذي قام بها الشعب اليمني، بكل فئاته، وشرائحه، وطبقاته، بعد اعلانهم قيام ما اسموه ثورة سبتمبر/واكتوبر !! وما يزال الوقت متاحآ وممكنآ لهذا الشعب الجاهل ان يدرك مصلحته، ويتراجع عن سياق الثورة/التمرد الذي كان، بإعادة المسار المعوج إلى نصابه وإلى ينبوعه الاصل (الإمامة في تجلياتها الجديده /الولي الفقيه).
إنهم يريدون أن يقولوا لنا من خلال انقلابهم وحربهم الجارية، على اغلبية اليمنيين، إن الشعب اليمني لم يتعلم من التاريخ بعد انقلابه في سبتمبر 1962م عليهم، ولذلك محكوم عليه/علينا بتكراره(عقابآ له/لنا)في صورة الحرب الجارية، وفرض استمرارها بالقوة، لان الحرب الجارية في ابعادها ومضامينها (السلالية، والطائفيه، والجهوية، والقبلية) الحاصلة هي مصدر عيشهم، ورزقهم الوحيد، وهي عامل قوتهم، ومخزون ذخيرتهم للاستمرار في الحرب، دون منازع فأرزاقهم على أسنة رماحهم، حسب تعبير ابن خلدون.
وهم اليوم المستفيد الاعظم من الحرب، واستمرارها - إلى جانب امراء الحرب، وتجار السلاح - لانهم بالسلم، والسلام، والحوار، والسياسة المدنية، لامعنى لهم، وليسوا اكثر من رقم صفري، (عكفة، انكشارية "جنجويد") فالميليشيا، لاتزدهر، ولا تنتعش إلا في مناخات العنف، والتطرف والحروب وفي حالات ضعف الدوله، كقوة إكراه، ونظام وقانون ومن هنا انقلابهم على العملية السياسية السلمية، الدستورية التوافقية وعلى مخرجات الحوار الوطني الشامل، اعظم منجز سياسي، وفكري وثقافي ودستوري وطني في كل تاريخ اليمنيين الوسيط، والحديث، والمعاصر. فالسلام، والحوار،والسياسة، المدنية، تتناقض مع معنى وجودهم، (تحالف الانقلاب والحرب) ومع جوهر ايديولوجيتهم السياسية، باعتبارهم لا يحملون اي مشروع سياسي وطني ديمقراطي، جوهر وجودهم المادي، والاجتماعي، والسياسي بل وحتى(الذهني) كميليشيات، مناقض، ونابذ لفكرة وجود الدولة، والمؤسسات، وسلطة النظام والقانون، ولذلك تحددت اول مهامهم بعد الانقلاب مباشرة، بالتحالف مع صالح"زعيم التوريث" في اختطاف الدوله، واحتلال مؤسساتها، ونهبها، وتحويل الملكية العامة للشعب إلى حالة فيد، وغنيمة، حلت فيها الميليشيا -كما هو معلن وقائم- إلى بديل عن الدوله، ومؤسساتها، باسم "اللجنه الثوريه العليا" - أو (المشرفون) - التي ماتزال تحتكر الهيمنه على الوزارات و مؤسسات الدوله ،مع وجود مايسمى "المجلس السياسي الاعلى" و"حكومة الانقاذ" كشكل صوري ، وبعد استبعاد مسمى الجمهوريه، من الاطار العام للهيئات التي شكلوها بديلآ عن مؤسسات الدوله،حتى تسميه مفتي الجمهوريه ،استبدلوه بمسمى (مفتي الديار) دون الجمهوريه، لان مشكلتهم الاساسيه هي مع الجمهوريه ، والدوله الوطنيه الحديثه الديمقراطيه ،ومع فكرة المساواه، والمواطنه، والحريه، والعدل، وحقوق الانسان.وحول الموقف السياسي للاماميين الجدد.
ويمكنكم العودة الى كلمه يحيى بدر الدين الحوثي الى المجلس السياسي لحكماء الهاشميه، الذي عرض فيه-قبل ايام قليلة كما وصلنا- بالجمهوريه، والثورة، والدوله الوطنيه، وفكرة المواطنه المتساويه.وهو مالم يستوعبه دعاة خطاب "الاطراف المتصارعه"،وطرفا الحرب، بدون رؤيه ولا لمسألة ايقاف الحرب،بعد حمله هجومهم الصريحة على الامم المتحدة في بيان صادر عن بعض كتبة التاريخ وتسفيه مخرجات الحوار الوطني،او بتعبير ادق، تجاهلها في غالب الاحيان والازدراء بالمبادرة الخليجيه واليتها التنفيذيه. اننا حقآ مع هذا الانقلاب الفاشي الديني واتباعه، نعيش حالتي المأساه، والملهاة معآ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق