هشام محمد
________&
تكون المصالحات الوطنية ناجحة، بشكل رئيس، إذا ما انطلقت من إيمان حقيقي للأطراف المعنية بعدم جدوى استمرار الحرب، والرغبة الحقيقية في إنهاء الحرب؛ بمعنى آخر، عندما تكون خيارات الحرب قد استنفدت مبرراتها، وأصبحت أطراف الصراع عاجزة عن الحسم، مع وجود تحرك وضغط مدني وشعبي لإيقاف الحرب، خاصة إذا استطاعت الحركة الجماهيرية إفراز قيادات قادرة على لعب دور سياسي.
إن المصالحات الوطنية تكون أسهل وأكثر استمرارية بين الأطراف السياسية التي تنادي وتؤمن بوطن للجميع، يتساوى فيه جميع الناس، بشكل أدق؛ عندما تكون النزاعات ذات طابع سياسي بحت، فالجماعات السياسية الحقيقية تؤمن في حقيقتها بدولة المساواة، وتقبل الآخر، وغالباً ما تكون التنازلات السياسية هي سيدة القول بين القوى السياسية المدنية اليمقراطية.
مقابل ذلك، تتعقد المصالحات عندما يكون أحد الأطراف جماعة أيديولوجية، تقاتل لأجل ما تعتقده حقاً دينياً وطائفياً مقدساً، أو لأسباب جهوية سياسية معتمدة على إرث تاريخي في الهيمنة السياسية، وتعتبر نفسها ذات خصوصية من نوع ما، وصاحبة حق ما، ولذلك فالمفاوضات التي تديرها في سبيل المصالحات تكون محكومة بعقلية تحقيق المصالح الخاصة بالجماعة، ولن تكون ممكنة إذا كانت في وضع السيطرة الميدانية، فهي تتعذر مع الجماعات ذات العصبيات والأيديولوجية؛ فالتنازلات التي يفترض أن تقدمها سيعتبرها الأفراد خيانة، باعتبار أن القتال يدور حول مقدس، أو مكسب اجتماعي لا يمكن للمساواة والسلم أن يأتيا به، وفي الحالتين يمثل التنازل عنه خيانة، كما أنها - التنازلات - تخضع لقوة الموقف على الأرض، وتضع اعتبارات كبيرة لمواقف ورضا الداعمين الدوليين لها في حربها، في حين تكون المصالحة الوطنية بين الجماعات السياسية المؤمنة بالتعددية ممكنة، لمجرد تفاقم الوضع الإنساني.
فالجماعات المناطقية والدينية المحاربة لا يمكن أن تقدم تنازلات في حوارات المصالحة، ما لم تكن النهاية ظاهرة في الأفق لما يمكن أن تجنيه من الحرب واستمرارها، فهي تهتم فقط للمكاسب التي ستجنيها، وتحاول التشبث بها وعدم خسارتها، وبالتالي تعمل على محاولة الوصول إلى تحقيق مكاسب أو تحافظ على ما حققته إلى آخر لحظة من التفاوض.
في كل الحالات، يمثل توافق الإرادة والاجماع الدوليين عصا غير محببة تلوح، وهو ما يجب أن يتوفر لأي محاولة للمصالحة الوطنية في اليمن، ويتمثل ذلك في وجود الضامنين الدوليين لكل الأطراف، مع وجود دول مراقبة لمراحل إدارة التصالح، ومستوى تنفيذ الإلتزامات.
وكما جرت العادة في مصالحات وتجارب سابقة، تحاول الحركات المتمردة، أو التي يتم التعامل معها على أنها غير شرعية، التنصل من التزاماتها، أو تنفيذها بالحد الأدنى، لضمان استمراية الإحتفاظ بشيء من القوة لديها، وهو ما يتوجب معه وجود مصفوفة من الإجراءت العقابية الحاسمة والرادعة - عسكرية في المقام الأول ثم غير عسكرية - تحت عصا الشرعية الدولية.
أما في ما يخص جانب البنود التي يجب الإتفاق عليها، فلا بد من بنود تتطرق إلى جذور المشاكل والمسببات التي أذكت الصراع الحالي، بصراحة ودون مجاملة سياسية، وهذا لن يأتي من دبلوماسيين سياسيين يحسبون جانب التوافق على حساب الحقيقة.
ولذلك، أعتقد أن وضع الحلول على أسس علمية ومنهجية تأخذ في الحسبان الخصوصية الثقافية، ومبادئ العدالة الإجتماعية، يكون من قبل متخصصين هم من سيقدم صورة واضحة، يمكن أن تتوصل إلى تعريف وتشخيص جذور المشكلات، ووضع الحلول المناسبة، مع الإعتراف من قبل الأطراف بالمشكلة.
وهنا، ينبغي أن تقدم جميع الأطراف تصوراتها لطبيعة السياسة المستقبلية في الوطن المشترك، الخالي من مسببات الصراع، ومقترحاتها غير الملزمة لواضعي الحلول، الذين يفترض أن ترشحهم أطراف المصالحة والضامنون الدوليون اعتباراً لموضوعيتهم العلمية وليس لتحيزاتهم السياسية، ولكن بدون أي سلطة عليهم؛ بمعنى آخر، وضع حلول منهجية بناء على أسس علمية وموضوعية، تراعي الإتفاقيات الدولية وحقوق الإنسان، مع الأخذ بالاعتبار خصوصية الحالة اليمنية، ومناقشة وإثراء تلك المقترحات بالمبادرات والتنازلات من قبل الأطراف.
لكن من المهم أن تتم الإستفادة من تجارب الدول في المصالحات الوطنية وإنهاء النزاعات؛ إذ تمثل تلك التجارب خلاصة خبرة وتجربة عملية يتم الإستناد إليها في وضع أي ملامح لأي مصالحة محتملة بالضرورة، فهي توفر المعلومات المبدئية حول دراسة أسباب النزاع ومناقشة كل تجربة.
إن بنود تلك المصالحات هي أول ما سيتبادر إلى الذهن للاستفادة منها بشكل مباشر، لكن الأهم من ذلك هو دراسة الإختلالات التي صاحبت تلك المصالحات وأسبابها، وملاحظات المعارضين لها، وموقف قوانين الشرعة الدولية وحقوق الإنسان منها، لتلافي الوقوع في تلك الأخطاء، خاصة في الحقوق الفردية وسيادة الدولة، وهي أخطاء في العادة تنتج من عدم دراسة الحالات السابقة، والاستفادة منها، وبشكل أكبر نتيجة للضغوط الدولية والوضع الميداني، وإجمالا فإن أي اتفاق للمصالحة يجب أن يعمل أولاً على الوقف الفوري لإطلاق النار، وتجميد الأعمال القتالية كبادرة حسن نية، ولإتاحة الفرصة للمناقشة المعمقة لجذور المشكلة وتحليلها، وتقديم المقترحات اللازمة بشكل علمي، لمنع تكرارها وتداعياتها المستقبلية.
العربي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق