اخر الاخبار

تعز.. بهجة عيد من بين بارود ودم

وكالة أرصفة للأنباء- تقرير: وليد عبد الواسع
من بين روائح البارود، ومشاهد الدماء القانية، ودوي القذائف، المتساقطة بجنون سعار قاذفيها، على رؤوس المدنيين، احتفى سكان مدينة تعز اليمنية، وسط البلاد، هذا العام بعيد الفطر..




في تعز، الكثير من الأسر، لم تتمكن، بسبب الظروف المعيشية الصعبة والمتدهورة، من التحضير للعيد، لأنها بالكاد تقاتل من أجل الحصول على القوت الضروري.

لكن "أم بشار"، كغيرها أسر، حاولت جاهدة توفير قليل من المال، لتشتري الملابس الجديدة لأطفالها.. ويكفي أن ترى الأم التعزية أطفالها مبتهجين يوم العيد..



رغم الأوضاع المادية الصعبة، والأوجاع الكثيرة، التي أنهكت سكان المدينة، بسبب الحرب والحصار المفروض عليهم منذ قرابة عام، عاشت المدينة بهجتها..



فشلت قذائف الانقلابيين وانتهاكاتهم المتصاعدة في كسر الإرادة الجماعية لسكان تعز على تجاوز تداعيات الخراب الكبير ويوميات النزيف الدامي.. بعيد فطر استعادت من خلاله تعز، قدرتها المتفردة على صياغة الحياة من بين بارود ودم وأنقاض حرب..


أفراح وأوجاع
من بين ركام الحرب التي اغتالت الفرحة لدى الناس، وتسببت بنزوح آلاف المدنيين، وتجويع أضعافهم، كانت شوارع المدينة المحاصرة تحتفي بالبهجة بعيد الفطر المبارك.

"من وسط الحصار والأوجاع والمعاناة صنع أبناء تعز الأحرار الشرفاء من الأوجاع والمعاناة فرح وسرور": يقول الشاب أحمد فاضل- أحد تجار المدينة..

"رغم انعدام المتنزهات والحدائق إلا أن الفرحة والبهجة بانتصارات رجال المقاومة الشرفاء وصمودهم في وجه المعتدين الحوافيش جعلت أبناء تعز يشعرون بالحرية والكرامة": أضاف فاضل..

يوافقه هارون عبد الله- الإعلامي في قناة يمن شباب"رغم الحصار والدمار والقصف العشوائي على المدينة إلا إننا استقبلنا العيد بفرحة وأمل يحدوه الانتصار.. كلنا أمل إن تكون  الأعياد القادمة غير وأكثر أمنا وسلاماً".

لكن عيد الفطر بدا مغايراً بالنسبة لطالب الهندسة- عمر عبد الملك الذي استقبل عيد الفطر وأسرته بمزيج من الألم والخوف والقلق والهلع في مدينة تعز المحاصرة منذ عام، مما أدى إلي نقص حاد في المواد الغذائية وارتفاع جنوني للأسعار..

"استقبل هذا العيد وقلبي يرتعش خوفاً من أصوات المدافع التي لاتتوقف أبداً، ويقشعر بدني كلما حاولت الخروج لشراء حاجيات العيد خوفاً من الاعتقال الذي لا محالة منه إن لم يكن من قناصة المليشيات المتواجدة عند كل مداخل المدينة": يقول عمر..

وجع أخر يستحضره هارون في هذه المناسبة عكر بهجتها لكثير أسر، فقدت أحبة وأعزاء لها في الحرب..

"رغم فرحتنا بالعيد إلا أن هناك بعض الأمور تعيق اكتمال الفرحة ففقدنا لبعض الأحبة والزملاء والإخوة وجراح الجرحى وآلامهم تحز بالنفس وتصيب فرحتنا بالحزن".


صياغة البهجة
في ساحة الحرية، التي هزت عرش علي عبد الله صالح، وهدهدت نظام الثلاثة والثلاثين عاما، أدى جمع كبير وغير مشهود له صلاة العيد، كتحدي وإصرار، وأن الموت الذي ترسله مليشيا الحوثي وصالح، بالقذائف، قد أتقن منه التعزيون فن صياغة حياتهم..

"رغم قوة القصف والانفجارات من ليلة يوم العيد، إلا أن أبناء تعز الأحرار خرجوا بكل تحدي وبحشد لم يحصل من عام 2011 للصلاة في ساحة الحرية دون خوف من قذائفهم ورصاصتهم": يقول أحمد فاضل..

ليلة العيد كان القصف، الذي شهدته المدينة بشكل غير مسبوق، قد أثار الهلع لدى كثير من المواطنين.. القصف ذاته أعاد للأذهان جريمة ارتكبها الانقلابيين بعد صلاة عيد مضى..

"بينما كان ينتظر المدنيون في تعز العيد، كانت الدماء التي لوثت ملابس العيد العام الماضي، جراء استهداف المليشيا الانقلابية لبعض المدنيين بعد تأديتهم لصلاة العيد، قد جعلهم يترقبوا العيد بتوجس كبير": تعلق الصحفية وئام عبد الملك..

"إذ لا يخالطهم أي شك، بأن المليشيا ربما تجعل عيدهم بنكهة الموت، وتحيل الفرحة إلى حزن": توضح..

"بعد إكمال خطبة العيد توجهنا إلي مقبرة الشهداء لقراءة الفاتحة والترحم على الشهداء، ثم ذهبت بعدها مع مجموعه من الأصدقاء لزيارة الرجال الصامدين المرابطين في الجبهات، تلاها الذهاب لزيارة الأهل والأقارب": يتابع فاضل..

"ومع ذلك ما تزال الأرواح متقدة وحرة ومكافحة، وتتطلع إلى نصر تعز واستعادة كل المدن اليمنية من قبضة المليشيا": تضيف وئام.

استقبال فرحة مبتورة
من وسط ركام الحرب التي اغتالت الفرحة لدى الناس، وتسببت بنزوح آلاف المدنيين، وتجويع أضعافهم، كانت شوارع مدينة تعز  تكتظ بالمتسوقين، استعداداً لاستقبال عيد الفطر المبارك.

"مر عام كان هو الأسوأ في حياة المدنيين بتعز، نتيجة لحصار المدينة، واستهداف المدنيين بالقصف بشكل شبه مستمر، كان الشهر المختلف طوال العام هو شهر رمضان": تصف الصحفية وئام عبد الملك الوضع..

فقد عاش أيامه المدنيون في المدينة محاولين تغذية أرواحهم ببعض السلام الذي جاء به، وحرمتهم إياه الحرب، وفقاً لوئام..

اكتظت الشوارع بالمدنيين، الذين يبحثون عن بعض حاجيات العيد، لكن إقبال المواطنين لم يكن كبيرا، بسبب نسبة الفقر التي زادت في ظل الحرب وبشكل كبير، وكذا غلاء المعيشة التي فاقمت معاناتهم..

"من الملاحظ إن العيد جاء في ظروف صعبة تعيشها المدينة إلا إن الازدحام السكاني وعودة كثير من الأسر التي نزحت في السابق أضافت البهجة والألفة والمحبة لدى الجميع": يقول هارون عبد الله- الإعلامي في قناة يمن شباب..

منذ بداية الحرب أغلقت العشرات من المحلات التجارية أبوابها، بسبب النزوح، والفقر، والقصف، وعدم وجود الطلب على السلع وتحديدا الكمالية منها.

"لكن اليوم هاهم يحتفون بالعيد، وهو المحطة الجديدة التي يحاولون الوقوف عندها لنسيان الكثير من أوجاعهم": تضيف وئام.

العام الماضي كان العيد كئيباً والشوارع تخلوا من السكان والمحلات مغلقة لكن هذا العام كان بحق عيداً سعيداً، وفقاً لهارون.

باعة وتجار، عمدوا إلى توفير بعض السلع الرخيصة، خصوصاً تلك التي تلاقي إقبالاً وتشهد رواجاً في الموسم مع دنو العيد، ليتمكن المواطن من شرائها.

"الحركة التجارية كانت ضعيفة بسبب الأوضاع الاقتصادية وانعدام السيولة لدي المواطنين، ولكن مقارنه بالعام الماضي، فإن الأفضل في هذه السنة هو عودة الحياة نوعاً ماء لشوارع المدينة واستمرارها إلى الفجر": يعلق التاجر أحمد فاضل.

" هذا مقارنة بالعام الماضي الذي كانت تنتهي فيه الحركة وخروج الناس عند صلاة المغرب": يضيف فاضل.

وفيما يشكو تجار من أن شراء الكماليات كالملابس وحلوى العيد، كان بشكل بسيط جدا.. تفيد وئام عبد الملك أن الناس لم يتبضعوا كما كانوا يفعلوا في أعوام ما قبل الحرب، لكن البعض منهم قاموا بشراء بعض الملابس لأطفالهم..

"حرمت آلاف الأسر من ذلك، إذ بات القوت الضروري الذي أصبح لدى كثير من الأسر وجبة أو وجبتين فقط، وأصبح من البديهي أن يكون أي شيء آخر حتى الدواء، من الكماليات" تابعت وئام.

للحرية عيد
في زحام الناس، وضحكاتهم الطاغية على أزيز آلات الموت، ستظن أن المدينة الموجعة قد تعافت من جراحاتها، بينما وجوه المنشغلين بفرحة العيد بدت انعكاساً لحياة تخفي آثار دمار وحرب.

"عيد على أي حال عدت ياعيد.. العيد عيد العافية ياليد.. وتعز متعافية أكثر من أي وقت مضى.. متعافية بقدر ما هي حرة لا بقدر ما هي مدمرة.. الدمار والدماء ثمنا لحريتها وعافيتها": يقول الصحفي معاذ المقطري..

فالحصار المطبق على تعز يجعلك، وفقاً للمقطري، على يقين بأن كلمة تعز هي العليا.. وهم يريدون إركاعها لأنها جذوة الثورة وقاعدة الدولة المدنية الحديثة..

"أبناء تعز سيلبسون ثوب الانعتاق والحرية في هذا العيد.. وإن جاعوا فسوف يأكلون مغتصبي بلدهم وكرامتهم": يؤكد معاذ..

وفيما يكتفي بـ"وللحرية الحمراء عيد".. يؤكد هارون عبد الله أن:" تحرير تعز عيدنا الأجمل"، لذا لاينسى هارون أن يشكر أبطال المقاومة والجيش الوطني الذين خلصوا هذه المدينة من مليشيا الموت والقتل..

مشيراً إلى أنه لم يتبق إلا القليل ليكتمل تحرير المدينة الذي يرى فيه وكل أبناء تعز عيدهم الكبير..

رغم آلة الموت التي تكاد تسرق حياة المدينة، إلا أن فعاليات وأنشطة، مجتمعية وشبابية وترفيهية، أقيمت في المدينة، تأكيداً على أن تعز لم تقهر.. وأنها تحيا من بين الأنقاض..

وهي فعاليات يصفها أحمد فاضل بـ"رائعة جمعت أعداد كبيرة من الأطفال، واستمتعوا بها كثيراً"..

"في تعز ولأول مره قام بعض الشباب في بعض الحارات بتعويض الأطفال عن انعدام المتنزهات والحدائق بعمل بعض الفعاليات الترفيهية للأطفال في بعض ساحات المدارس وفي شارع جمال، وإحضار بعض الألعاب": يقول فاضل..

هدف هذه الفعاليات، وفقاً لـ"أحمد فاضل"، إيصال رسالة أن تعز لم تقهر، رغم الحصار والألم وانعدام الحدائق والمتنزهات..

"يكفي أننا عائشين وصامدين في مدينتنا وشوارع وحواري تعز، وهذا مصدر فخر وفرح وسرور لي ولأبنا تعز الشرفاء الأحرار": يلخص أحمد سر مقاومة تعز لمشاريع الموت.

عيد التكافل الاجتماعي
فشلت قذائف الانقلابيين وانتهاكاتهم المتصاعدة في كسر الإرادة الجماعية لسكان تعز على تجاوز تداعيات الخراب الكبير ويوميات النزيف الدامي، التي حولت المدينة إلى محافظة منكوبة ترزح تحت وطأة حصار غير مسبوق لمنافذها البرية منذ أكثر من عام.

مثل حلول عيد الفطر المبارك مناسبة استعادت من خلالها تعز، بفعالياتها المجتمعية، قدرتها المتفردة على صناعة مفردات حالة مؤثرة من التكافل الإنساني أسهمت في التخفيف من معاناة الفئات الأشد فقراً في المدينة والتي تسبب الحصار والقصف اليومي في فرض تعقيدات إضافية على أوضاعها المعيشية الصعبة.

ودشنت مؤسسة «نحن هنا» للإغاثة والتنمية، والتي تعد من الفعاليات المجتمعية الشبابية الناشطة في المجال الإنساني، مشروع توزيع كسوة العيد للأسر النازحة والأشد تضرراً من الحرب في مركز الأمل لمعالجة الأورام السرطانية بتعز، والذي تحولت أجزاء منه إلى أنقاض جراء الاستهداف المتعمد من قبل ميليشيات الحوثيين وقوات المخلوع.

بادرت المؤسسة التي حرصت على مواصلة أنشطتها رغم التحديات الطارئة التي فرضتها يوميات الحرب والمواجهات في شوارع وأحياء المدينة إلى توسيع نطاق إسهاماتها الإنسانية..

شهدت العديد من قرى ريف تعز حضوراً غير مسبوق لأنشطة الجمعيات والمؤسسات الخيرية والإنسانية ومن أبرزها جمعية «كفالة» ومؤسستا «لست وحدك» و«سنابل الخير» والتي بادرت إلى تقديم «سلال كسوة العيد ومساعدات غذائية للعديد من الأسر المعدمة».

يعتبر رئيس مؤسسة لست وحدك/ عبدالسلام أحمد المقري أن الفعاليات المجتمعية الناشطة في المجال الإنساني والخيري في تعز حرصت على مواصلة أنشطتها كنوع من الإسهام في مناهضة ومقاومة الانقلابيين..

يوضح المقري إلى أن التداعيات الإنسانية الكارثية التي فرضها الانقلابيون على تعز وكافة مديرياتها جراء حصارهم غير المشروع للمدينة وفتحهم جبهات قتال خارج حدود عاصمة المحافظة دفع معظم المؤسسات والجمعيات الشبابية الناشطة في المجال الإنساني إلى تكثيف أنشطتها وإسهاماتها للتخفيف من حدة هذه التداعيات التي وصلت إلى حدود مأساوية.

الناشطة في المجال الخيري والإنساني بتعز/ نجيبة عبداللطيف الحداد أشادت بالدعم الإنساني غير المسبوق والسخي الذي سارعت إلى تقديمه دول التحالف وعلى رأسها الإمارات والسعودية لمساعدة المتضررين من سكان تعز على مواصلة الصمود..

وأشارت إلى أن الهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة الشيخ خليفة الإنسانية أسهمتا بدور فاعل في التخفيف من معاناة الفئات الأشد فقراً بتعز من خلال المساعدات الإغاثية والإنسانية المستمرة.

مبادرات شبابية
لم تقتصر الفعاليات والمبادرات المجتمعية على مشاريع التكافل الإنسانية، أو الأنشطة الترفيهية، بل شهدت مدينة تعز قبل حلول عيد الفطر المبارك فعاليات أخرى، كانت ملفتة بتدشينها برامج وحملات لتحسين وجه المدينة..

كان أبرزها حملة نظافة، التي تنفذها مبادرة "معا لن نقهر"، لتنظيف شوارع تعز وحاراتها، ضمن مشروع النظافة المستدامة، الذي أعده القائمون على الحملة بأنه هدية العيد لتعز. مؤكدين أنه مهما جرى ومهما حصل ستظل تعز رمز المدنية والتحضر.

تقول الناشطة الحقوقية إشراق المقطري، التي تدير الحملة مع عصام عبدالحميد البتراء، ونائف الوافي، والحسين بن علي،: لنواصل دعم الجمال ومقاومة الصمت على الخطأ.. لنصنع عيدا برغم كل الموت ورحيل الأحبة وأصوات السلاح.

تنوعت المبادرات الشبابية بتنوع أفكار أصحابها، كما هو الحال لمبادرة "حبي لها"، التي حملت طي نشاطها العيدي مشروع جعالة وحلويات العيد..

تصف الشابة رهام البدر، وهي أحد فريق المبادرة، مشرعها بأنه عمل جاد مستمر.. وتضيف:"نحن على الموعد في أيام العيد"..

إلى ذلك دشن فريق شباب وشابات تعز صبيحة يوم العيد برنامجهم العيدي "عيدنا جبهاتنا"، والذي يهدف إلى تقديم الدعم المعنوي لرجال المقاومة الشعبية والجيش الوطني الوطني المرابطين في عدد من جبهات القتال داخل المدينة.

توجه الشباب عقب صلاة العيد إلى مقبرة الشهداء للترحم عليهم والدعاء لهم تقديرا لتضحيتهم التي لا يمكن أن تعلوها تضحية، أعقب ذلك زيارات ميدانية لعدد من الجبهات في المحور الشمال: الزنوج، الأربعين، جبل جبرة، الدفاع الجوي..

خلال زياراتهم التقوا خلالها بقيادة المحور الشمالي وبعدد من الأفراد، وبادلوهم التهاني العيدية وقدموا لهم هدايا عيدية رمزية. ويستمر الفريق في زياراته خلال بقية أيام عيد الفطر بزيارة بقية الجبهات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وكالة أرصفة للأنباءجميع الحقوق محفوظة 2016