اخر الاخبار

مجدداً :جدي يقاوم الموت ..!!




محمد المياحي
________________________

يزحف الموت تجاه جبين جدي كل يوم، يحاول الامساك بلحيته ورأسه، يصادر حقه في الحياة بسلام، ألّمحه يغور في تربة الموت كل لحظة، يفزعني مظهره المتآكل، واخشى نبأ رحيلة المخيف، إن جدي ليس ملاكاً؛ لكنني أشعر بحجرة تتدحرج داخلي كلما تصورت لحظة رحيله، احب شغبه، ضجيجه، قصص حياته الخرافية، أتضجر منه أحيانا، وأعود لأحبه بكثافة.


لجدي قصة حياة طافحة بالمغامرات، صخرية وثرية، برائحة الزرع وطعم الغيوم، هو بن دبوان الوحيد، تزوج ثمان نساء وكان يبتغي التاسعة فأقعده المرض، يداعب الأطفال في الطرقات، ويضحك مع الراعية في الجبل، في داخله بحر شهامة نادر الوجود، سيمنحك شربة الماء الوحيدة إذا ما كنت معه في الصحراء، متقبلاً أن يموت عطشاً على أن تحيا أنت..


هذا العيد رفض أن يصافحني، ضحكت كثيراً وفاض قلبي حباً وهياماً به، كنت متشوقاً لتقبيل يديه المملوءة بأحافير الزمن؛ لكنه حرمني من نكهة التاريخ المسكوبة على ساقيه، شعرت بالأسى وغادرت ألهو واضحك من تكتيكة السحري في التعامل مع احفاده، يا له من بشرٍ يخلط الحياة كما شاءت قريحته، يحبك ويرفض مصافحتك، يهجوك في الليل ويمتدحك لدى الخصوم، يضحك عليك ويفتخر بك، لقد نهرني بعنف واخافني ذات نهار يوم كنت طفلاً ثم ما لبث أن منحني مصروف صباح الغد الثاني ماسحا بيده العنيدة راسي المرتعد، قائلاً هذا محمد حامل اسمي من بعدي، سرت كبرياء الملوك في عمودي الفقري منذ ذلك اليوم وما زلت حتى اللحظة اتذكرها بحميمية نداه .


يا جدي في كفك الجبلية تمائم سحر مشبوبة بريق نحلك الشهي، اخبرني من اين لك هذا الطعام فاني اريد عسلا كهذا الذي تضمخت به يديك وروحك؟


لقد اصبحت اتحاشى النظر في عينية مخافة الاصطدام بهذا الموت العاري المحلق فوق رأسه، ثم التفت وراك يا جدي تعض الحياة بقوة، وترفض الانصياع للموت بسهولة، أنك تعتقد أن من حقك البقاء اكثر في هذا الوجود، كم أنت تكره الفناء، تبغض التلاشي، وتنفر من العدم، وليس في ذلك خطأ، وما عشق البقاء بذنب، بل هي الحياة : غريزة بشرية اشرس من الموت، وتلك غواية الوجود الكبرى لكل نفوس البشر..

يا أبتي: يا وحي الطين النقي ابق معنا ما استطعت، يا جدي العظيم يا عين نبي تقي، وضحكة إله لطيف، لا تغمض عينيك فاني اخشى مواجهة الحياة بدونك، غيابك يعني انفطار سماء القرية وتكسر نجوم الوادي، هذه الزروع ستصير بلا أب، وهذا الجبل المقابل لدارك سيهوي إذا ما رحلت، أنت يا ماء الحياة تمهل، ويا قمرا تعطرت به الأرض لا تتركنا وترحل، إننا أطفال مساكين ستهزمنا الحياة بعدك، ارجوك اعتذر للموت وابق معنا ما استطعت، ابق ولو لم تقبل سلامي، ابق ولو أنت تبغضني حاول سرقة الحياة بكل السبل، الأهم ألا تستسلم للموت، فانني اخشى غيابك كثيراً يا مفتاح الكون وأخر أمطار العرش السخي..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وكالة أرصفة للأنباءجميع الحقوق محفوظة 2016