محمد دبوان المياحي
كتب كثيرا عن المهمومين، عاش زمنا طويلا في غمرة المساكين،
ليالي عديدة لم يغمض فيها طرفة عين، سهر طويلا ناقلا عذابات الإنسان من كل بيت في هذا
التراب اليمني، نام منشغلا بقضايا الجمهور، كان أيضا يستيقظ على وقع رسائلهم التي لا
تنقطع.. عمل في صحف عديدة، كان آخرها "أخبار اليوم"، وما أن هبت رياح الجائحة
الحوثية فقد مصدر عيشه الوحيد.
هي ثلاثون ألف ريال، ثلاثون فقط كل ما كان يتقاضاه،
ويحيا به على شفا الحياة، ثم فجأة فقدها وصار يقف وحيدا أعزلا، هكذا متصحرا ومتربا
يواجه كوابيس العيش في ليل طويل..
جحيم قلم وصحيفة
تراجيديا صحفي موغلة في الفزع، جحيم كائن كل ما يملكه
قلم وصحيفة، وبات اليوم معطوبا يتلقى قدره بلا كتف يسنده ولا صوت صديق يؤنس غربته في
هذا الزمن المثقوب..
ما يقارب عامين كاملين والرجل يبتلع كربته في جنح الظلام
مجردا من كل شيء، هو وجسده المكدود وجدران غرفته المستأجرة/ دينا، وسريره المهموم،
وبسطة ثلج لا تكاد تمنحه مصروف يوم واحد، هكذا يقضي أيامه وسط عالم كئيب، ولا أحد يعلم
كيف تمر به الأيام..
زمن أغبر
أصدقاءه كثيرون، ومن أسدى لهم جميل لا يمكن حصرهم،
من خدمهم في مسيرته أناس بلا عدد، غير أن أحد لم يهمس إليه يوما، سائلا إياه عن ظروف
معيشته..
الكل تخلى عنه في ظرف شديد القساوة، وزمن أغبر يخنق
الإنسان ويجرده من قطعة خبز وكوب ماء شريف..
منذ فترة وأنا أشعر بضغط نفسي يحرضني لكتابة وجع هذا
الشخص على ورقة، ثم أتراجع بدافع من خجل بدوي لا تفسير له، سوى أننا ما زلنا كائنات
بدائية ترى البؤس والحرمان عيبا والألم فضيحة يجب ألا نفصح عنها..
كابوس البائس
هذا اليوم طالبه أناس بديون لهم، اقترضها منهم كرأس
مال صغير يبدأ بها عمله، دفع جزءا منها في رمضان، وبعد أن خف العمل بعد رمضان وجد نفسه
عاجزا عن تسديد ما بقى عنده، قدموا إليه بلاغ من القسم، حضر فطالبه صاحب المنزل بالخروج،
صاحب الثلج أيضا له مبلغ عنده.
لو جمعنا ديونه الثلاثة: إيجار المنزل والقرض وصاحب
الثلج، لتفاجأنا أن المبلغ مخجلا جدا لا يتجاوز 160 ألف ريا تقريبا، غير أنها بالنسبة
لإنسان بائس معدم مثله، كابوس كبير يؤرق حياته صباح مساء..
حقيقة غير مدركة
عندما تجد الرجل يبتسم بثراء في وجهك، وكعادته يشع
بشاشة وشهامة لا تعرف الفتور، ينفق عليك بسخاء نادر فيما لو طلبت منه..
ولهذا يعجز الكثير عن إدراك حقيقة وضعه، حتى أقرب الناس
إليه لا أظنهم يستوعبون حرائق روحه التي يفضل أن يعيشها مع الليل، مع السماء والقمر،
يختبئ في رداء العزلة ويشكو للظلام تعسف الزمان وجور الأيام..
الرجل ممتلئ بحس الأنفة والعفاف، كثير التزهد لا يجرؤ
على التضجر أمام إنسان ليبوح له بألمه، يقبل أن يضطجع على سريره ضامرا، خاوية أمعاءه
من فتات قليل، على أن يكتب جملة يشكو فيها قهر البقاء ومرارة العيش دونما مصدر رزق
كريم.
جرح مفتوح
"يا
فيصل إيش رأيك تتواصل مع أصدقائك، بيشوفوا لك حل؟".. يكون رده دائما إما ضحكة
مطعون يشعر بالخذلان، أو يصمت يائسا من مقترح كهذا..
لا ادري لماذا يطبق فمه دائما حين اطرح له هذه الفكرة،
شخصيا أحس بجرحه مفتوحا داخله؛ لكأنه ملسوع في أشد مواضع جسده حساسية وحرقة، هذا الرجل
لديه قدرة عجيبة على مواراة معاناته، يشعرك أنه في وضع طبيعي جدا، حتى وهو لا يجد ثمن
الطعام لليلة واحده..
أقسم لكم أنه عاش سنة كاملة لا يحصل فيها على ريال
واحدا، باع كل ما بحوزته، فقد كل ممتلكاته البسيطة، كافح كثيرا ولم يسقط أبدا، وأخيرا
انتهى به الحال في "بسطة الثلج الصحفية" الشهيرة في شارع الرقاص
بالعاصمة اليمنية صنعاء..
حديث العذاب
"لا
تخجل من دموعك": أردد أمامه هذه العبارة التي ابتدعها الروائي الروسي الشهير ديوستيفسكي؛
كي أدفعه للشجاعة وكتابة كل هذا الشقاء الذي حل به.
أنا ممن يؤمن عميقا بضرورة مجابهة العالم بأحاديث العذاب
التي نعيشها، قف في أعلى قمة داخلك وأطلق زفرتك الكبرى ضد الألم الذي يستبيح حياتك،
لا تحاصر أنين جسدك المشروخ، لا تكبت نفسك الحار داخلك، لا، لا تقتل الآه النارية في
صدرك، دع كرباتك تسيل أمام طغيان دنيا تذبحك كل لحظة..
نقيض وأسى
"فيصل"
على النقيض من هذا تماما، يعتلج أساه وحيدا مظللا بسماء سوداء ومطر جبانا غمره بالفاقة
والعوز، ولا أحد، لا أحد فكر دقيقة في وضعية هذا الإنسان..
استجمعت بقايا ما امتلك من شجاعة جبانة، وقررت أوثق
ما بدأ لي من مأساة طوقت حياة هذا الإنسان، قد يشعر بالاستياء مني، غير أنني فضلت الاستجابة
لهتاف إنساني داخلي، مخاطرا بتحمل أي ردة فعل عتابية قد يبديها..
لا هدف لي سوى كشف الستار عن واحدة من آلاف القصص المكبوتة
في صدور الإنسان اليمني، وهذه غير ظاهرة للآخرين، لكون من يتألمون يفضلون العيش بكبرياء
جريحة، على أن يواجهون المجتمع وهم مكشوفين بلا غطاء، هذا فقط لأننا نعيش مجتمع بدائي
غارق في العمى، يحتقر المساكين ويعظم اللصوص الكبار وكل الطغاة المستكبرين..





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق