اخر الاخبار

وقائع الحرب واحتمالات السلام في اليمن..!




عبد الباري طاهر
_____________


دوي مدافع الحرب في اليمن بعد أكثر من عامين ما زال يتصاعد.

حصار تعز، قصف الطيران، وتدمير بنية هشة وضعيفة.

إستهداف الأحياء السكنية، تجمعات العزاء والأعراس، تدمير الجسور والمدارس والمساكن والآثار وحتى الأسواق الشعبية.

تقارير المبعوث الأممي، وتقارير المنظمات الإنسانية، تؤكد تورط كل أطراف الحرب في الجرائم (جرائم حرب وضد الإنسانية!).

من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر، كما قال السيد المسيح. 

الحرب الراهنة تشهد حالة من المد والجزر، وفيها قدر من الغرائبية والغموض. تشتعل الحرب في نهم مثلاً، تتصاعد في ميدي وحرض ثم تهمد أو تتراجع.

تُوجه ضربة قوية في المخا ثم تتوقف، وتجري مواجهات في مطار عدن. تعز المحاصرة والصامدة لأكثر من عامين لا تجد السند والعون لفك حصارها الجائر.

حروب أهلية بالتجزئة في ريف المدن: تعز، إب، البيضاء، حجة، شبوة. معاناة الناس تبلغ ذروة الهلاك. المجاعة - حسب تقارير منظمات دولية - تتجاوز السبعة عشر مليوناً. 

ما يقرب من نصف مليون طفل بحاجة إلى مساعدة غذائية.

المشردون أكثر من ثلاثة ملايين.

القتلى أكثر من عشرة آلاف قتيل، والجرحى والمعاقين مئات الآلاف.

الحصار الداخلي بين المدينة والمدينة والقرية والقرية يمزق التواصل الاجتماعي، ويحول البلد إلى كنتونات وكيانات ممزقة ووحدات مفككة.

الحصار الخارجي يمنع المواد الغذائية والدوائية.

المجاعة في تهامة نتيجة من نتائجها.

القصف الجوي والحصار البحري متواصلان منذ أكثر من عامين. 

تعاني اليمن من أكثر من حرب: حروب المليشيات المسلحة والعدوان الخارجي، وعنف التيارات المتطرفة، ومجاعة طاحنة مصدرها الحصار والحرب الداخلية والخارجية، وموجة الجفاف والقحط التي تطحن الملايين، فيما تنتشر الأوبئة الفتاكة لتغتال البقية.

ربما لأول مرة نشهد تمدد تجار الحروب في طول اليمن وعرضها، ونشهد ضعف الإرادة الوطنية في تلجيم دعاة الحرب.

والأخطر أن يسهم ضعف الإرادة الوطنية في الارتهان كلية للصراع الإقليمي والدولي غير الحريص على أمن البلد وسلامها وبقائها ككيان.

كل هذه الأطراف المتصارعة لا تهتم ولا تبالي بتدمير الكيان اليمني، ولا بتمزيق النسيج المجتمعي، ولا بالمجاعة القاتلة، ولا بانعدام لقمة الخبز الكفاف أو مياه الشرب.

المرتبات لم تصرف لعدة أشهر في الشمال والجنوب، وكأن ما يوحد اليمنيين هو القتل والمجاعة، مع العلم أنه لم يتبق في جسم الدورة الاقتصادية غير الراتب، وهو مصدر عيش الملايين. 

أوهام الحسم العسكري ما تزال تعشش. الموهومون بالحسم العسكري لم يقرأوا التاريخ، ولم يدرسوا التركيبة المجتمعية، ولا التربية المجتمعية المهجوسة بالحرب في العديد من المناطق لأزمنة متطاولة.

ربما إسقاط المخا يزكي هذا الاتجاه، غير مدركين أن الوصول إلى الحديدة أو حتى صنعاء لا ينهي الحرب؛ فالحرب واستمرارها مصدر حياة، وبطولات زائفة، وأوهام كبيرة.

أكثر من مرة وصل صالح إلى صعدة وحيدان ومران ولم تنته الحرب.

وجولات الحرب في العصر الحديث: حرب 94، وحروب صعدة الستة، وعشرات الحروب التي أشعلها علي عبد الله صالح وعلي محسن في غير منطقة، وحرب "أنصار الله" وصالح والكوارث، متواصلة.

يبقى الحل السياسي وخيار السلام هو الحل الممكن والوحيد.

إن الحروب تولد الحروب والثارات والعداوات، ولا تنهيها.

ما ينهي الحروب في اليمن هو التصالح الوطني والمجتمعي، والتوافق على حلول سياسية، والتشارك في الحكم بعيداً عن منطق القوة والغلبة وتسعير الحروب لفرض الإرادة، فلم يعد ذلك ممكناً.

وهو ما طرحته وثيقة العهد والاتفاق، وجرى الانقلاب عليها بحرب 94، وصاغته بصورة أكمل مخرجات الحوار فانقلب عليها الحاكمون بالحرب المتناسلة، وتولى كبر الحرب الأخيرة "أنصار الله" متحالفين مع صالح وجماعته، فهم الطرف الأساس، ويتحملون المسؤولية بالدرجة الأولى.

إحتمالات استمرار الحرب عائدة إلى تعنت الأطراف كلها الداخلية والخارجية، ودخول العوامل الخارجية الأكثر جنوحاً إلى الحرب، خصوصاً بعد مجيء ترامب، وتوافق الإرادتين الأمريكية والإسرائيلية على طمس القضية الفلسطينية، وإعادة رسم خارطة المنطقة، ودفعها باتجاه الصراع الطوائفي: السني والشيعي، لخلق شرق أوسط تكون إسرائيل القوة الرائسة فيه.

وهذا الإتجاه يقوي الإتجاهات الإسلاموية الأكثر تطرفاً ودموية. 

الإحتمال الثاني أن تتغلب الإرادات الوطنية والقومية في مناطق الصراع: سوريا، العراق، اليمن، وليبيا، للوصول إلى حلول سياسية وتوافق وطني.

ندرك أن هذه الأطراف هي كل المشكلة، وهي أيضاً جزء أساس من الحل، ولكنها لا تستطيع ويستحيل اليوم أن تكون - كما الماضي - كل المشكلة وكل الحل، فهل تدرك ذلك؟

يتبلور الآن اتجاهان في المنطقة العربية: اتجاه يمثله التحالف العسكري بزعامة السعودية، واتجاه آخر تمثله عمان وتتساوق معه الكويت.

وإذا كان رهان الإتجاه الأول والقوي الإيغال في الحرب، وتصعيد التوتر في المنطقة في مواجهة التغول الإيراني والتدخل في العراق وسوريا ولبنان واليمن، فإن الاتجاه الثاني الضعيف والعقلاني نسبياً يريد نزع فتيل التوتر وإيجاد حل سياسي. 

الأطراف اليمنية مستفيدة من الحرب، وهي في مستويات معينة وبطرائق شيطانية تتقاسم النفوذ والمال، ومستفيدة من تباطؤ الحسم، وإطالة أمد الحرب، وربما تدرك أكثر من الممولين ومن أطراف الصراع الإقليمي صعوبة - إن لم يكن استحالة - الحل العسكري الذي لا مصلحة لها فيه ولا تريده.

الأحزاب السياسية الكبيرة توزعت على خارطة الحرب، وأصبحت هي الأخرى تؤجج الصراع وتخون الداعين للحل السياسي، ولا تعترف إلا بمنطق: مع أو ضد.

إستطالة الحرب في المنطقة العربية واليمن بخاصة ستكون له نتائج كارثية، ولن تستفيد منه غير الإتجاهات الأكثر فاشية ودموية، ويصب في نهاية المطاف لصالح إسرائيل وأمريكا لا غير، وكفيل بتدمير الكيانات في المنطقة.

الاتجاه المجنون لترامب يذكي التوتر الدولي، ويقوي الإتجاهات الفاشية والشعبوية في أوروبا والعالم، وبالأخص في عالمنا العربي ومحيطنا الإقليمي؛ فالجسم العربي مصاب بفقدان المناعة، وقابلية الداء، ضعفه واستبداده يستدعي الغزو الإستعماري، ويدمر بعضه بعضاً كقراءة ابن خلدون.

تراهن الشرعية على استمرار الحرب واستخدام سلاح الخنق الإقتصادي عبر نقل البنك المركزي إلى عدن واستمرار إغلاق المطار (مطار صنعاء)، وتحويل البضائع إلى عدن، وإسقاط ميناء المخا ذي الأهمية الخاصة لصالح، والتهديد المستمر لميدي (مركز نشاط أنصار الله)، واستمرار القصف الجوي، والمواجهة المسلحة في أكثر من منطقة وجبهة.

وتراهن السعودية وتحالفها على رؤية الشرعية، مضيفة إليها مجيء إدارة ترامب ذات الجموح للحرب، والتصعيد مع إيران.

إستمرار المواجهة هو الأرضية التي يقف عليها المليشاوي؛ فهي ذريعته ومبرره وحتى شرعيته للحشود والتعبئة والتجييش وابتزاز المجتمع ككل بأنه المدافع الوحيد عن الوطن وكرامته، فالحرب تقويه بمقدار ما تضعف إرادة المجتمع.

الحرب والحصار والخنق يطال المواطنين أكثر مما يطال المليشيات، وهو وإن أثر على المليشيات إلا أنها تستطيع التعويض من النهب، ومن السيطرة على كل الموارد، وتحويل الحرب إلى مورد واستثمار، ولن تعدم الجهات الداعمة والمتشاركة في الفساد والفيد حتى في الطرف الآخر. الخاسر الأكبر في استمرار الحرب والحصار والخنق الإقتصادي ملايين المواطنين ومئات الآلاف من الموظفين الذين فقدوا مرتباتهم لعدة أشهر.

رهان صالح و"أنصار الله" أن الحرب واستمرارها ملاذهم الأخير، وأن قوتهم في استمرار التحدي والمواجهة والاحتفاظ بسلاحهم (مصدر شرعيتهم الوحيد)، وأنه كلما طال الوقت كلما ترسخت سلطتهم كأمر واقع يفرض نفسه على المجتمع.

والعدوان الخارجي الذي تقوده السعودية يرفد هذا الاتجاه، ويعيق الحسم العسكري أو الانتصار، وتأتي جرائم القصف الجوي واستهداف التجمعات السكنية والمدن والقرى الآمنة والمنشآت والمدارس والجسور وصالات الأعراس والعزاء لتقوي خيار الحرب.

ويبقى الحل السياسي وخيار السلام هو الحل الممكن والوحيد الذي بدأت بشائره من حول سوريا، والانتصارات العسكرية ضد الدواعش في العراق، وتلاقي الزعامات الليبية، وفشل دعاة الحرب الداخلية والخارجية وتصاعد السلام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وكالة أرصفة للأنباءجميع الحقوق محفوظة 2016