اخر الاخبار

صنعاء الحب/ العذاب الأبدي




‏مصطفى ناجي الجبزي‏

1
عن مدينة سكناها قليلاً وسكنتنا طويلاً. عن الأحياء التي ارتسمت بين الضلوع والحب الذي استنشقناه من أشجار الكافور في الجامعة وامتداد شارع العدل ومن الجهنميات في الشوارع الخلفية لحي الزراعة. وبيان عن شبق الملمس الناعم لتراب من جذور اشجار الاثل في حارة المستشفى العسكري. عن صنعاء الحب/العذاب الابدي.

يا وريقات القات الطرية ذات الشعيرات الباسمة بعد الظهيرة؟ ويا شاي الشيباني خلف الجامعة القديمة كمشروب لآلهة الفلاحة.

تتراكم اشجاننا داخلنا كحبيبات تين حُشَيشَّة متراصة على "تنك" سمن القمرية الأزرق اللون. وتلتمع الاماني باللقاء كقطرات مطر تلتحم بأشعة الشمس وقت العصر تنسكب من جبل عيبان.

الآن، ثمة فتاة بستارتها تجمع الملابس من سطح بيت أحمر الياجور. وتغني. تغني للسماء وللحب الزائغ. وأنا العُتمِّي المفتون بخاصرتها. انا الأوصابي الذي سافر بي اللحن إلى جبال خضراء في بلادي. أنا حُجَري يستذكر ملالاة أمه والدمع ينهمر من عينيها يسقي دهان "الهُرُد" على الخد المهجور.

متى كانت آخر مرة طليت قلبي بسخام المدينة وانتعلت وعود الفرح؟

في باب الشعوب تعلمت كيف تترتل آيات المزمار والطبلة. كان ناصر يلوك بين فكيه - لطالما كانا من دون اسنان - تغريبة قبيلي انهكته الاسفار وحِمل البندقية وثارات القبيلة. كانت أشطاف اللحن تهيم بين اكوام البرسيم الاخضر. ينهق حمار القرية حين يفارق مالكه الأول في سوق الحمير. الامهات يشتمن صغارهن بتؤدة. جي يا ابن الكلب! فينهض كلب وديع. ويهرب الطفل حافياً ليصيب بطاطس نعمان من "عند الحبيشي". 

2
ثلاثون سنة من الوجد لا تكفي لنلوي الزمن. صار الطريق معبّد بالأحجار الصفراء المرصوفة كفسيفساء لامعة إلا من الصدق. ومات إمام الجامع الذي كان يقرأ سورة الاخلاص في كل ركعة جهورة. مات الاخلاص أيضا. وانتصبت مانكينات بلاستيكية لنساء بعيون زرقاء جوار مدرسة أبن الأمير.

شباب العَصريات مدهونو الفروة يزدردون " الزِعقَة" ويعاكسون "لابسات البراقع"، وعلي حنش يغني من استيريو الآنسي "مشتاق لامريكا". وأنا ادندن بعد الحارثي "رقي لحالي!".

انت الذي تسكن في صنعاء لن تنجو من حبٍ يصيبك في مقتل. ستغرم بلهجة المدينة وتستلذها من فم الصغار. وحين تتحدث امرأة من صنعاء فإن الله يخاطبك من فمها.

كان صديقي صريع حب. يحدثني عن ترانيم شامية تأتيه كل مساء في تلفون. فكتبت إليه: 
يا صديقي تبين لي الان شغفك الملحاح لأهل صنعاء. تلكم الصلة التي تصبح وشما ملونا عصي على الزوال وجرحا طريا تلعقه كل ساعة. تلك اللغة المضمخة بالحنو وتلابيس الود المؤنث ورغبة أرنبية.

نحن الذين جار علينا الزمن وافتقدنا العطف واضعنا الرعاية. وجدنا كل هذا في لحظة ما بين يدي أنثى مغلفة بالشوك كالكاذي وتقطر رحيقاً مسكراً من الوداعة والرؤم.

نحن الذين طالت بنا الأسفار وامتدت الهجرة والنزوح وجدنا السكنى بين حناياها. لم أجد في حياتي ولن أجد ما حييت شخصا يترجم الألم رقة واصطباراً ويتعهد الجرح نعيماً ولذة. انا مأخوذ في أسري المشتهى وأحلّق من ثمالة " قوااا" أو في وحي " يوووه".

صدقني لم يكتب في الألواح يوما أمنية كـ "جعلك ما في قلبي". أو عتاب ملفوف ببتلات وردة اسمها " يهنى قلبك ".

لا أحد يستطيع ان يجعل من اماكنك المزدحمة "طيرمانة" للتصوف والوحدة غير كلماتها العابقة بأزهار "ملكة الليل" العالقة على سور منزل عتيق في "بير العزب."

ولم يخلد في التاريخ شتيمة لذيذة ليس مثلها الا كقرصة من يدها في وركك او ساعدك بعد جهد وعناء مقدس. شتائمها انزلاقة غير مقصودة من باب الرضوان.

تقول لك "شلوك" وهي تقصد ابتغائك ودنوك. وتزجرك "رحلك" أو "اقفي من قبالي" وفي نفسها تبتهل إلى عينيك.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وكالة أرصفة للأنباءجميع الحقوق محفوظة 2016