وكالة أرصفة للأنباء: تقرير خاص/ وليد عبد الواسع*
فجر التاسع من يونيو 2015م كان الصحفي عبد الخالق
عمران ضمن تسعة صحفيين اعتقلتهم جماعة الحوثيين المسلحة أثناء تواجدهم في فندق (قصر
الأحلام) بشارع الستين، شمال العاصمة اليمنية صنعاء..
طيلة أربعة أشهر من اختفائه مرت أسرة عمران بأوقات
عصيبة للغاية دون أن تعرف أي باب تطرق، فكل من تجرأ على السؤال عنه وزملائه تعرض
للتهديد بالاختطاف..
حين زارت عبد الخالق أسرته للمرة الأولى في المعتقل،
وجدته منهكاً وشاحباً وكانت لحيته قد طالت، وعلمت فيما بعد أنه قد تعرض لأسوأ أشكال
التعذيب..
رغم تأثر أسرة عمران جميعاً وبشدة، من حكاية
التعذيب، وخاصة والديه المسنين.. لكنها تواصل كفاحها في سبيل خلاصه وحريته، فيما
الوجع يعتصرها ومرارة الغياب.
كان عبد الخالق عمران واحد من المنتقدين والصحفيين
والناشطين العديدين الذين قبض عليهم وسجنوا دون تهمة أو محاكمة من قبل جماعة
"الحوثي" المسلحة، التي تسيطر على قسط كبير من اليمن.
تدرج في عمله الصحفي محرراً في صحيفة العاصمة الصادرة عن حزب الإصلاح بالعاصمة
صنعاء، ثم سكرتيراً لتحريرها، قبلها عمل رئيسا لتحرير موقع الربيع نت، ثم موقع الإصلاح
أون لاين، ومؤسس مركز صنعاء الإعلامي.
الشاب العشريني الحاصل على بكالوريوس إعلام من جامعة صنعاء، صحفي مثابر ونشط يعشق مهنته، ويشهد
له الكثير من زملائه وأصدقائه بدماثة الأخلاق.. لكنه في نظر الحوثيين عميل
ومرتزق.. وتحت هذه اليافطة اعتقلته الجماعة.
في بداية اعتقالهم تمكنت أسرهم من زيارتهم في
المعتقل، ثم مُنعت الزيارة عنهم ولم يسمح لأهاليهم بالتواصل معهم، أو معرفة أماكنهم،
كما لم يتم إتباع الإجراءات القانونية مع الصحفيين ولم توجه لهم أي تهم رسمية..
تصعيد
بعد سيطرتهم على العاصمة اليمنية صنعاء وعدد من
المدن شن الحوثيون حملة قمع شرسة ضد الأشخاص الذين يعارضون سيطرتهم.
ومع حلفائهم، بما في ذلك القوات الموالية للرئيس السابق
علي عبد الله صالح، قاموا باعتقال مئات الناشطين والصحفيين والمعارضين السياسيين، وباحتجازهم
دون تهمة لشهور في كل مرة.
تقول منظمة العفو الدولية أنه في بعض الحالات، تعرض
هؤلاء للتعذيب وحتى "للاختفاء"- فاحتُجزوا في أماكن سرية، وحرموا من الاتصال
بالعالم الخارجي، كما حرموا من أي شكل من أشكال حماية القانون.
بناء على مذكرات وجهتها منظمة مواطنة لحقوق
الإنسان إلى الجهات المعنية حصلت المنظمة على أوامر بالإفراج عن صحفيين عشرة بينهم
عبد الخالق، وذلك من قبل الهيئة القانونية المشكلة من قبل جماعة الحوثيين..
لكن لم يتم الإفراج عن أحدٍ من الصحفيين عمليا حتى
اليوم، وبدلاً عن تنفيذ أوامر الإفراج، علمت المنظمة أن الصحفيين: عبد الخالق
عمران، توفيق المنصوري، أكرم الوليدي، هيثم الشهاب تعرضوا في 31 /1/ 2016م للضرب المبرح،
ومُنعت عنهم الرعاية الصحية.
معاناة
حين تفاجأ بالمسلحين يطوقون الفندق سارع عبد
الخالق بإرسل رسالة جي إس إم لأحد أصدقائه يبلغه بالواقعة.. كان ينوي إرسال رسائل
أخرى للتبليغ.. لكن المسلحين الذين اقتحموا الفندق واعتقلوا الصحفيين لم يعطوه فرصة،
لحظات وكانت وفوهات البنادق موجهة إلى صدورهم، وبطريقة عنيفة أخذوهم إلى المعتقلات،
وفقاً للزميل الصحفي أشرف الريفي.
تروي شقيقة زوجته، سلوى علي عبده عمران، كفاح عائلته
من أجل الإفراج عنه.. "اختطف الحوثيون شقيق زوجي عبد الخالق في يونيو/حزيران من
السنة الفائتة. كان صحفياً وباحثاً وسياسياً وناشطاً، وكان يحاول الكشف عن الانتهاكات،
بما في ذلك عمليات الاختطاف والتعذيب، على يد ميليشيا الحوثيين": قالت..
قبل أن يأخذوه، كثيراً ما كان يجري تعقبه، هو وزملاءه،
وتهديدهم. أغلقت جميع الصحف التي كانوا يعملون فيها. فواصلوا عملهم من أحد الفنادق
حتى اقتحم رجال مسلحون الغرفة التي كانوا فيها في الساعة 4.00 فجراً، واقتيد عبد الخالق
وثمانية آخرون من زملائه الصحفيين، في بداية الأمر إلى مركزين للاعتقال في صنعاء، ومن
ثم، وعقب شهر واحد، إلى أماكن مجهولة.
"لقد عانينا طيلة أربعة أشهر نتيجة لاختفائه؛
وكل من تجرأ على السؤال عنه وعن زملائه تعرض للتهديد بالاختطاف. ولقد مررنا بأوقات
عصيبة للغاية، دون أن نعرف أي باب نطرق، أو أية سلطة نسأل": قالت سلوى.
لطالما ظل عبد الخالق بطلاً لحقوق الإنسان والحريات،
وفقاً لتوصيف شقيقة زوجته. يريد أن يثقف المجتمع ويغرس بذور الحرية والعدالة والمساواة
والتعايش. ويريد التوعية بالحاجة إلى مكافحة العنصرية والطائفية والاضطهاد.
تضيف:"إنه زوج عطوف ومحب. ودائماً يساعد زوجته
في العناية بأطفاله، ويمنحهم العطف والحب والتفهم. وهو صبور لا ينزعج من تعنيف ابنته
الصغرى له عندما يتأخر في العودة إلى البيت من عمله".
تعذيب وعذاب
تحكي سلوى عمران كفاح أسرة الصحفي عبد الخالق من
أجل الإفراج عنه:" عندما اختفى، راجعنا سلطات مختلفة من أجل المساعدة، ولكن تبين
أنها جميعاً تخضع لسيطرة ميليشيا الحوثيين. وفي نهاية المطاف، علمنا من آخرين كانوا
معتقلين وأفرج عنهم أنه نقل إلى سجن في صنعاء يخضع لإشراف وزارة الداخلية".
يسمح لعبد الخالق الآن بتلقي زيارة واحدة في الأسبوع،
ولكن لدقائق قليلة.. "وفي معظم الأحيان، نعلم أن الزيارة قد ألغيت في الدقيقة
الأخيرة. بالطبع، لا يقولون ليست هناك زيارات، وإنما يدعون أنه ليس هناك؛ وهذا يخيفنا
حقاً ويجعلنا نقلق أكثر"..
تعرض عمران، كما هو بقية زملاؤه للمعاملة السيئة، ومُنعت
عنهم الشمس لأشهر طويلة.. عندما زارت عبد الخالق أسرته للمرة الأولى في المعتقل، وجدته
منهكاً وشاحباً وعلى غير هيئته المعتادة التي كان يحرص دوماً أن يظهر بها قبل
اعتقاله.. "كانت لحيته قد طالت وبدا شاحباً ومنهكاً. وعلمنا فيما بعد أنه قد تعرض
لأسوأ أشكال التعذيب".
مارس الحوثيون على عبد الخالق وسائل تعذيب قاسية،
وفقاً لسلوى التي تؤكد أنهم"عزلوه في الحبس الانفرادي، وحرموه من الذهاب إلى دورة
المياه، وجعلوه يحمل البلوك وأجبروه على الوقوف على قدم واحدة مع تعليق يديه. وتعرض
كذلك للضرب بأعقاب البنادق وكانوا يحرمونه من الطعام لفترات طويلة".
"لقد
أثرت هذه الأمور علينا جميعاً بشدة، وخاصة على والديه المسنين. زارته والدته مرتين
فقط في السجن، ولكنها كانت تخرج من الزيارة إلى المستشفى مباشرة بسبب التهابات في الدم".
نضال الحرية
تناضل سلوى ونساء أخريات من أجل النشطاء المحتجزين
في اليمن.. "التقيت عائلات عديدة تعاني من الشيء نفسه. بعضها فقدت أرزاقها بعد
إيداع معيليها وراء القضبان. بينما يعاني الآباء والأمهات من اعتلالات صحية، بما في
ذلك النوبات القلبية. وبعض الأهالي لا يعرفون حتى مكان وجود أحبائهم".
لهذا السبب تشير سلوى إلى أن أسر المختطفين قامت بإنشاء
"رابطة أمهات المختطفين".. "نرغب في دعم هذه العائلات والتخفيف من آلامها.
نتشارك جميعاً في المعاناة نفسها كأسرة واحدة": قالت سلوى لمنظمة العفو
الدولية.
وأضافت:" وما يلهمنا على الصمود والوقوف صفاً
واحداً هو أن قضيتنا عادلة. لم يكن ضحايانا المختطفون يحملون السلاح ولم يحرضوا على
كراهية طرف أو آخر. كل ما أرادوه هو نقل حقيقة ما يحدث في المجتمع في ذلك الوقت".
تتمسك سلوى عمران بكثير من الأمل الذي يحدوها، حد
تأكيدها ببلدها.. "هذا الأمل ساعدني على أن أصمد": قالت وهي تتطلع إلى وطن
يبنى ولا يُهدم. فهي تأمل أن يتعلم الأطفال المعرفة ويتمتعوا بصحة جيدة عوضاً عن حمل
السلاح وقتل الأطفال الآخرين.
تواصل:" أملي بأن أرى الصحفيين يعملون من أجل
المجتمع، أحراراً لا يخضعون لرقابة الدولة. وأملي أن أرى الابتسامات على وجوه الأطفال
الذين فقدوا آباءهم وطفولتهم. وأملي بوطن أعيش فيه بدون ظالم ومظلوم، بدون تصنيف مناطقي
او طائفي. نريد أن نكون إخوة وأمنا اليمن".
رسائل
توجه سلوى رسالة إلى الحوثيين المحتجِزين:" أطلقوا
سراح عبدالخالق وجميع الأبرياء. عبدالخالق لم يعاديكم أو يهدم بيتاً أو يقتل طفلاً،
إنما حمل رسالة إنسانية لأبناء وطنه"..
وتتساءل:" هل هذا وقوفكم معه ومع الشرفاء! وهل
هذه هي الطريقة التي تعاملون بها أبناء وطنكم؟ وهل هذه هي طريقة لحكم البلاد بعد أن
قتلتم أبناءه وشردتم عائلاته ودمرتم مؤسساته؟".
كما توجه رسالة إلى كل إنسان:" أرجوكم أن تقفوا
مع عبد الخالق، لأنه ابن تفتقده أمه المسنة الكسيرة القلب. وهو أخ يقبع وراء القضبان
مخلفاً وراءه إخوة آخرين عاجزين يجتاحهم الألم. وهو أب يتوق إلى رؤية أطفاله ليل نهار.
معركة كفاح
مؤخراً قرر الصحفي عبد الخالق عمران، كما هم
زملاؤه، الإضراب عن الطعام في معتقلاتهم، احتجاجاً على تعاملات سلطات المتمردين
الحوثيين معهم..
ظلت ومازالت أسرة عبد الخالق تتابع كافة الجهات لمعرفة
أوضاعه.. ولم تحض إلا بفرص محدودة لزيارته..
فشلت كل مطالباتها بالإفراج عنه، كما لم تلق كل مساعي
الأسرة والمنظمات الإفراج عن عمران وزملائه أي تجاوب ايجابي من قبل جماعة الحوثي.
وفيما الصحفيون المعتقلون يواصلون "معركة
الأمعاء الخاوية"، بعد أن وصل بهم الحال إلى وضع مأساوي، تتعالى نداءات
المنظمات الدولية والمحلية بسرعة الإفراج عنهم..
تواصل أسرهم معركة كفاح ومعاناة من أجل الإفراج
عنهم.. وماتزال المخاوف كبيرة، وصرخاتهم تتعالى، ولن تهدأ حتى يتم إطلاق سراحهم سالمين.
مريم عبد الخالق.. بانتظار بابا
في عامها الدراسي الأول، اختفى والدها.. وفي مطلع
فبراير 2016 كانت مريم، وشقيقها "أحمد" الذي يصغرها بنحو عامين، قد وصلا
إلى صنعاء، لرؤية والدهما عبد الخالق عمران الذي اختطفه الحوثيون ووضعوه في غياهب
المعتقل، قبل أن يمنعوا عنه الزيارة والأكل، وسرقوا من دولابه حقيبة "مريم"،
كما باعوا هاتفه الجوال، وفيه صور طفليه.
زارته ابنته ذات السنوات الست مرة واحدة، وكانت تغص
بدموعها إلى حد أنها لم تستطع التعبير عن شوقها إليه.. قبل اختطافه، كانت الطفلة
"مريم" قد أخبرته بأنها تريد منه أن يرسل لها أقلاما ودفاتر وحقيبة كي تذهب
إلى المدرسة التي تبعد عن منزلها في إحدى قمم جبال وصاب الشاهقة عدة أميال، والرهبة
تملأ قلبها من هذه التجربة الجديدة.
لم تنم "مريم عبد الخالق" طيلة الليلة التي
قالت لها جدتها إنها سترى والدها.. لقد وجدتها فرصة مناسبة لتخبره بكل ما حدث لها في
فصلها الدراسي الجديد، وما عانته في طريقها من وإلى البيت والمدرسة.
قالت والدتها، نقلاً عن وسائل إعلام، إنها في ليلة
السابع من يناير الماضي كادت أن تطير من الفرح، وإنها لن تنام.. "وأخذت تخبرنا
ماذا ستقول له، وجاء الصباح فاستيقظت باكرة، ورفضت تناول الإفطار، وجهزت نفسها بنفسها
استعدادا للخروج في الصباح الباكر، مع أن الزيارة تبدأ بعد العاشرة، فانتظر حتى ملت
الانتظار، وأصابها الإحباط من ناحيتنا".
تضيف جدة الطفلة مريم:" كانت تتلفت في الطريق
يمين وشمال، ويمر عليها الوقت بطيء– تضحك الجدة– بيتنا في مذبح وبعيد من السجن، وما
وصلنا إلا متأخرين الساعة 12 ظهر، وما درينا إلا وهم يقولوا الزيارة ممنوعة، قلنا لهم
ليش، وكان فيهم قلق يا لطيف، قالوا: لسلامتكم وسلامة المساجين".
تواصل الجدة حديثها:"ما وصلنا باب البيت إلا والعيال
يتصلوا إن الحوثة سمحوا بالزيارة، فرجعنا من الباب، حتى ما دخلناه بالمرة، والساعة
واحدة ظهر، وحاولنا نسرع وإحنا خايفين يغلقوا، والطريق زحمة، فما وصلنا باب السجن إلا
وهم قالوا: الزيارة انتهت"..
أقسمت جدتها للمسئول الحوثي المستلم لبوابة
المعتقل إن "مريم" جاءت من وصاب تريد أن ترى أبيها، وأنها لم تزره حتى مرة
واحدة منذ حوالي عام، تسعة أشهر منها في السجن، وأنها عائدة إلى البلاد وتريد أن تراه
ولو دقيقة واحدة.
كانت عينا مريم تجولان يمينا وشمالا بحثا عن والدها
المغيب خلف القضبان.. وانفجرت باكية لتملأ صرختها أرجاء المكان.. ليطل والدها من
خلف القضبان، وهو مكبل بالسلاسل لاحتضانها، بينما يزهو بالنصر أمام طفلته، التي لم
تنس أن تخرج ورقة مكتوبة عليها محصلتها الشهرية لتسلمها إياه.
لاتعرف مريم أن سجانو والدها قد سرقوا حقيبتها، وأن
والدها لم يعد يحتفظ بصورها في موبايله الذي باعوه.. لكنها ماتزال تنتظره وتشتاق
للحظة لقاءه..
ومازالت أيضاً تحمل حقيبتها، تقطع جبال وصاب
الشاهقة ذهاباً وإياباً إلى المدرسة، وهي تتلفت من سفوح القمم في كل الجهات علها
ترى والدها قادماً من البعيد لتهوي نحوه صارخة بأعلى صوتها،قبل أن يتردد صوتها
أرجاء وصاب: "بابا نجحت"..
*ينشر بالتزامن مع صحيفة أخبار اليوم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق